الخميس، 15 مارس 2012

أكان يجب ان تكون ثورتنا دموية !


رضوى الأسود
البديل
6/7/2011


“الشهداء ولاد الكلب”

قالها زميلى فى العمل بثقة وإصرار، ولم أشعر بنفسى إلا وأنا أصرخ فى وجهه كالمجنونة والدموع تجرى فوق وجنتى :”كيف تقول ذلك”؟

هذا الزميل غيره كثيرون، وهذا هو ما نجحت بجدارة فى صنعه السلطة التى تحكم البلاد حالياً حتى لو حكماً صورياً كما يتضح لنا من النصوص الخاصة بالفترة الإنتقالية، وحكومة غير مؤهلة سوى لإعاقة الأعمال مما أدى للصور المؤلمة التى نراها الآن من إنتفاء أمن المواطن العادى الذى يفكر ألف مرة قبل أن يخرج من بيته، كى لا يكون عرضة للترويع والسرقة والقتل.

حينما خلعت ثورة الشعب المصرى الطاغية مبارك يوم 11 فبراير، نزلت جموع الشعب ترقص فى كل مكان من ربوع المحروسة، من شارك فى الثورة ومن لم يشارك، فكلنا قد طالنا الظلم طوال فترة ثلاثين عاماً. كانت الفرحة عارمة. وكان هذا الزميل ضمن بقية الشعب فرحاً متهللاً بهذه النهاية التى تليق بالخائن وبتاريخه المشين. لكن ما حدث بعد ذلك من تطور وتبدل تام فى موقف قطاع كبير من الشعب المصرى هو المثير والمحزن.

منذ فبراير الماضى وحتى اللحظة الآنية يعيش المصريون وهم كبير اسمه المحاكمات والقصاص من القتلة والفاسدين، لكن يتضح لنا أن أمين شرطة الهارب هو المتهم الوحيد والحقيقى فى تهمة قتل المتظاهرين!! وأن وزير المالية الهارب غالى هو الوحيد الذى حكم عليه بأكثر من ثلاثين عاماً من السجن!! ويتم تأجيل محاكمة مبارك وأولاده إلى أغسطس بلا أى مبرر سوى التسويف والممطالة حتى يأتى الله أمراً كان مفعولاً، وحتى تحل أجازة القضاء، وبالتالى تؤجل مرة أخرى وليست أخيرة إلى أجل معلوم عند الله وحده؟ فيتضح لنا يوماً بعد يوم أن النظام لا زال قائماً بنفس العقول والآليات، بتقديم كباش الفداء وتبريد للقضايا الساخنة.

نعم ما يحدث الآن هو تبريد بل قتل للثورة المصرية.
فى الثورة الفرنسية – واعذرونى إن استشهدت بها فى أغلب المرات نظراً لأنها نموذج مثالي للثورات الكبري فى التاريخ الإنسانى – التى استمرت من 1789 إلى 1799 ، تم  إعدام 16594 من النظام السابق بآلة المقصلة، وإنهاء النظام القديم الملكى، وإعلان

أول جمهورية، وإنهاء جميع الإمتيازات، وإقرار حقوق الإنسان والمواطن، وتساوى جميع المواطنين أمام القانون والحريات الأساسية. وفى الثورة البلشفية سنة 1917 والتى أعدمت القيصر وعائلته، تم اقرار مجلس مفوضي الشعب كأساس للحكومة الجديدة، وصودرت الحسابات المصرفية الخاصة، وأسس لينين لجانا استثنائية من شأنها مكافحة الثورة المضادة.

من يقوم بثورة ناجحة هو من يحكم، وهذا من طبيعة الأمور، فلم نر ثورة فى أى بلد لم يحكم فيها من قاموا بها، وهذا ما يجعلنى أتسائل حول مدى نجاح ثورة 25 يناير من عدمها!

أنا هنا لا أدافع ولا أشجع الإتجاهات الدموية، ولكن كان يجب أن يكون هناك حراكاً وضغطاً شعبياً متواصلاً للإسراع فى المحاكمات وإقرار دستور جديد يضمن الحفاظ على مكتسبات الثورة وعدم الإلتفاف حولها أو إقتناصها كما يحدث الآن من الإتجاهين الإخوانى والسلفى وقبلهما الحزبى، كان يجب الإتحاد والإتفاق على ممثل (أو أكثر) يتكلم باسم الثورة ويحدد مطالب واضحة لا تحتمل اللبس. فأنت لا تستطع أن تبنى بناءاً راسخاً والأساس متهاوى ينخره السوس، وهذا ما حدث راداً بالضبط فى حالتنا، فقد تخيلنا أننا سنبنى مصر جديدة، وكيف يستقيم ذلك ولا تزال أفراداً فاسدة ليست بالقليلة فى سُدة الحكم وإتخاذ القرار؟؟!! كيف لم تُحاسب؟ كيف لم يتم ببساطة إستبعادها وهذا أضعف الإيمان! كيف يتم ترقية أو تعيين أشخاص تحت مستوى الشبهات وموالون للنظام القديم فى مناصب رفيعة وتتحدى بهم السلطة إرادة ورغبة الشعب تماماً كما كان النظام القديم يفعل طوال الوقت؟ كيف لا زال رؤساء تحرير صحفاً قومية كانوا يمتهنون مهنة مهرجو البلاط، يمارسون عملهم إلى الآن؟

هل حينما قرر ثوار التحرير التحرك بإتجاه قصر العروبة قبل 11 فبراير ليخلعوا مبارك بالقوة، ووقتها كان الغالبية ضد القرار خوفاً على حياة الثوار من الحرس الجمهورى الذى لا يدين بالولاء سوى لمبارك ولتأمين حياته، كان ضرورة حتمية، حتى لو كان الثمن المدفوع هو المزيد والمزيد من الشهداء؟ هل كان يجب ألا نتهاون ومنذ أول يوم مع ممارسات وإنتهاكات وسياسات السلطة حينما ماطلت فى القبض على رؤوس النظام؟ وحينما كان هناك بلاغات عن نقود وسبائك ذهبية يتم تهريبها خارج البلاد ولم تحرك ساكناً؟ وحينما أعطت الفرصة كاملة لمبارك وعائلته وبقايا النظام ليجمعوا ما يمكن جمعه وإخفاءه فى حسابات لا يمكن تتبعها؟ وحينما منحت مهلة شهرين لزكريا عزمى ليمارس مهامة المعتادة بكامل حريته فى قصر الرئاسة ليخفى ويتلف من المستندات ما يدين النظام بأكمله؟ وحينما تم الكشف عن عذرية فتيات التحرير وإنتهاك آدميتهم بتهمة أنهن عاهرات … ألف هل وهل، فهل من مجيب ؟!!!!

إن أنصاف الثورات مقابر الشعوب، وأخشى أن نكون قد جررنا جراً لقبورنا بعد أن أُحيينا من العدم.

حينما يتحول الشهداء بقدرة زبانية النظام القديم إلى “ولاد كلب” والثوار إلى بلطجية، والنظام القديم إلى نظام كانت مصر تعيش فيه آمنة مستقرة، ورموزه إلى “ناس كويسة .. عملوا ايه يعنى؟”، هنا يجب أن نتوقف وننتبه إلى الكارثة التى أوصلنا إليها النظام القديم والتى وصلنا إليها بأنفسنا بقبوعنا فى مقاعد المتفرجين بعد أن تخيلنا أننا قد “عملنا اللى علينا”، فالثورة لم تكتمل بعد، ومازال رغم كل الغيوم والعتمة هناك بصيص من آمال كبرى، فالأمر فى أيدينا نحن الشعب الذى تجمع يوماً على هدف واحد هو حب هذا البلد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق