الخميس، 15 مارس 2012

نساء حفل المئوية

يُقال ان الرواية الجديدة بشكل عام فقدت التماسك واصبحت مفككة وليس ذلك غرضا او غاية.. انما هو وسيلة للوصول الى التداعيات الباطنية والمؤثرات الاجتماعية وغير ذلك.. ففي روايتها الجديدة «حفل المئوية» الصادرة من القاهرة عام 2010 تذهب المؤلفة «رضوى الاسود» الى اسلوب فصل شخصيات الرواية النسائية عن بعضها البعض من اجل القاء الضوء اكثر على كل شخصية منفردة عاشت حياتها الخاصة وما لاقته من عذابات ومحاولات حب فاشلة.. رغم ان جميع الشخصيات كن يدرسن معاً في الثانوية بمدرسة واحدة وهي مدرسة راقية «مدرسة الراهبات الفرنسية» في القاهرة.

هذا وقد لجأت مؤلفة الرواية رضوى الاسود الى حيلة تشوقية ذكية في مستهل روايتها حيث نقرأ في البداية ثم في المقدمة هذا السر الجميل في ان والدة الراوية العليمة وبعد ان توفيت قد تركت دفترا فيه رواية او سيرة نسائية عن عالم نسائي مقهور من ظلم المجتمع وبالذات مجتمع الرجال الذي لا يفرق ما بين النساء المثقفات او غيرهن.. فهن بالنسبة له صيد وفريسة.. وتلك اشكالية ثقافية يعاني منها المجتمع العربي.

وعن الاسلوب مرة اخرى وعن المضمون فقد نجحت المؤلفة في التمسك بانتاج الجديد وبالاصالة وهي الافكار والعواطف الصادرة عن بطلات هذه الرواية دون تقليد لاي مؤلف روائي آخر.. ففي هذه الرواية وحدة عضوية –وان بدت في البداية وكأنها غير ذلك وغير مرتبطة ببعضها البعض, لكنه عمل ابداعي منسق ومنسجم ومتماسك.. فبدل ان تبدأ الكاتبة او راوية السيرة او السير من موقف اجتماع خريجات المدرسة الفرنسية بمناسبة حفل مرور (100) عام على انشائها.. فقد جعلت الفلاش باك يسبق اولا الزمن الحاضر حفل المئوية.

وفي الرواية نساء عديدات فرقت بينهن السبل والايام وضرورات الحياة مثل: رانيا, مريم, نسيلة, دينا, جوى, اروى.. وكل واحدة منهن تقريبا اكملت دراستها الجامعية وذهب بها قطار الحب والزواج الى مسارب واتجاهات مؤلمة في الغالب حتى ان اكثرهن عشن فيما بعد في حالات من الاغتراب.. لذلك فقد نجحت المؤلفة في بث وعرض هذه الحالات عبر فن الرواية اكثر مما لو انها كتبتها على شكل قصص قصيرة فقط.. لذلك فان الرواية حقا هي الفن الاول الذي يعبر عن طموحات وصراعات الانسان سواء كان ذكرا ام انثى وبطريقة اجتماعية مباشرة ومعاشة.

هكذا تظل عواطف وافكار المرأة العربية حبيسة النظرة الدونية من قبل الرجل الشرقي العربي المتهم بالغرور بذكوريته التي يظن انها فوق جميع احاسيس المرأة التي تطلب الحب بالدرجة الاولى.. فها هي رانيا احدى شخصيات هذه الرواية المرأة الموظفة تنخرط ببكاء مرير وكأن دموعها تتفجر من نبع لا يجف وكأن وجنتيها لا ترتويان سوى من هذه الوصلة اليومية من النشيج المرير للروح والجسد.

انها رانيا صاحبة الثلاثين عاما والموظفة التي تبدو وكأن عمرها في الخمسين, وهي خريجة كلية التجارة ومطلقة تحضن اولادها وتعيش بمفردها في شقة فاخرة شقة الزوجية التي كانت!!

اما مريم فان الالم يعتصرها ليس فقط على نفسها بل على امها التي مرت بتجارب زواج فاشلة.. فالزوج الاول اجبرها اهلها على الزواج منه وظهر انه نصاب.. ثم الزوج الثاني احبها كثيرا في البداية ثم اساء معاملتها كثيرا ثم تم الطلاق.. اذن مريم هنا تعيش في جو عاطفي سيئ يؤثر في روحها وفي نظرتها وحذرها من الرجال, لكنها ومقابل عذابات والدتها فانها ربما تفوز اخيرا برجل يحبها حقا.

اما خريجة المدرسة الفرنسية الاخرى نسيلة فهي فتاة جميلة وخريجة معهد السينما قسم التصوير.. فهي تقول: انا لست عدوة للرجال.. لكنها تدخل في علاقة فنية اولا مع الدكتور سمير وهو من اشهر مخرجي السينما الذين ظهروا في اوائل الثمانينات.. فقد احبها هذا المخرج وساعدها في دراستها ومشاريعها الفنية.. لكنه اخيرا كشر عن انيابه ورفضها بعد ان حاول معها الحب المحرم فتزوج من فتاة اخرى تصغرها بـ(8) سنوات من اجل مصالحه واهوائه الخاصة. لكن نسيلة يتعرف عليها شاب اخر ويحبها فتماطله لانها مرت بتجربة سيئة.. لكنه يحبها حقا ويبدو انها ما زالت تفكر بهذا الحبيب الجديد الذي يُبدي بصدق واخلاص حبه لها!!

ودينا هي امرأة خريجة نفس المدرسة حيث تزوجت وفرض عليها زوجها لبس الحجاب فقبلت لانها بالاصل كانت متدينة بطبعها.. انها امرأة بيضاء البشرة هادئة الجمال.. لكن زوجها عاطل عن العمل وعن الجنس, لذلك فهي امرأة بلا وجه وبلا ملامح يضربها زوجها ويقول لها: مدرستك التي تخرجت منها مدرسة كفرة!! ورغم تدينها فانها كانت تعتبر مدرستها خطا احمر لا تسمح لاحد باهانةهذه المدرسة العريقة!!

واروى شخصية اخرى من نساء هذه الرواية حيث انها خريجة الجامعة الاميركية قسم ادارة اعمال تعمل في شركة بمجال البرمجيات.. انها ابنة وحيدة لابوين صحفيين, وكانت امها سليلة طبقة الاقطاع الزراعي الاستقراطي وكانت اروى الفتاة المثقفة والغزيرة المعرفة والجميلة حذرة من الرجال.. لكنها تعرفت عن طريق الفيس بوك على فنان تشكيلي شهير.. وتوطدت العلاقة.. لكنها قررت اخيرا السفر للخارج هربا من هذا الحب الذي تخاف منه.. لكنها عندما تأتيها بطاقة دعوة الحفل السنوي من المدرسة التي تخرجت منها تقرر الذهاب للحفل وتأجيل سفرها.. وهناك يأتي الحبيب ويعلن حبه لها امام الحضور بطريقة دراماتيكية مفرحة جدا وصادقة الى ابعد حد.. فيغشى على اروى من هذه المفاجأة المذهلة حقا.

اخيرا تلجأ المؤلفة رضوى الاسود وعلى لسان راوية الرواية الى ايهام القارئ من ان الرواية ربما لم تكتمل وربما لها جزء آخر لتروي للقراء شخصية ضمن شخصيات الرواية او هي موجودة ضمن عدة شخصيات نسائية.. وهكذا تظل الرواية مشوقة لتفتح نوافذها على كل الاحتمالات الذهنية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق