جريدة السياسة الكويتية
آية ياسر
يرى البعض أنها في روايتها "حفل المئوية" تعمدت أن تكسر التابوهات المسكوت عنها رغبة منها في الابداع المطلق, خصوصاً وأنها قد استخدمت لغة شعرية يغلب عليها الطابع الثوري والبساطة البعيدة عن الغموض والتعقيد .وهو ما جعل الكثيرين من النقاد يشيدون بها, حتى أنهم وصفوها بأنها تؤسس لخطاب جديد.
رضوى الأسود" الروائية والشاعرة والناشطة السياسية, تلقي الضوء على روايتها الجديدة في حوار مع "السياسة" هذا نصه:
- بداية ما الدور الذي لعبه والدك في تكوينك ككاتبة, والى أي مدى أثر على حياتك الأدبية والسياسية ؟
- والدي فاضل الأسود "الباحث الأكاديمي والسيناريست والمناضل السياسي" هو حجر الأساس في بنائي الفكري والفني والسياسي, هذا ما أحرص على ذكره في كل مكان.
- كيف كانت تجربتك مع الكتابة, وكيف استقبل القارئ روايتك "حفل المئوية ؟
- الكتابة بالنسبة لي هي فعل انعتاق وتطهر وتجريب, هذا ما يحدث معي بالضبط حينما أكتب, أما بالنسبة لاستقبال الآخرين لي, فقد تم الاحتفاء بتجربتي لأقصى درجة, فلاقيت تشجيعًا لم أكن أحلم به, كما أنني لم أوجه أي مشكلات بعدما توليت بنفسي تمويل عملية الطباعة بالكامل.
- كم احتجت من الوقت لكتابتها, وما الذي تعنيه لك؟
- ما استغرقته ليس بالوقت الكثير, ويبدو لي أن تلك الرواية كانت مختزنة في العقلين الواعي وغير الواعي بداخلي.
- لماذا تصفين الكتابة بأنها ممارسة فعل فاضح؟
- لقد جاء هذا الوصف في سياق نص شعري داخل روايتي "حفل المئوية", ووصفتها بذلك لأنني أعتبرها كشفاً لدواخل النفس, وتوجهات الانسان الفكرية والعقائدية.
- وماذا عن مضمون الرواية, وحبكتها؟
- الرواية اجتماعية في المقام الأول, تناقش قضايا فلسفية وفنية ودينية وسياسية. وأعتبرها كأسطورة "صندوق باندورا", الا أن الفارق بينهما هو أنك حينما تفتح الرواية ستجد بداخلها العالم بأسره بخيره وشره, ولكن "صندوق باندورا" كان يحوي فقط شرور العالم. فالرواية تستعرض حياة ست من الفتيات يفترقن ولكنهن يتجمعن في نهاية الرواية بحفل تقيمه مدرستهن بمناسبة مرور مئة عام على انشائها, وقد استخدمت في الرواية ما يشبه التقنيات السينمائية منها, "الفلاش باك" و"المونتاج المتوازي", فأنا متأثرة بشكل كبير بالفن السينمائي الذي أثر تطوره بدوره على البناء السردي الروائي.
- يرى البعض أن روايتك بما تحمله من شخوص تبدو وكأنها "سيرة ذاتية", ما تعليقك؟
- أعتقد أن غالبية من قرأ روايتي وجد نفسه في واحدة من شخصياتها أو أكثر, وهذا معناه أنها سيرة ذاتية انسانية عالمية, وربما أكون بالفعل تقاسمت أجزاء من نفسي بيني وبين بطلات الرواية. وأظن أن سبب هذا أن الفتيات بها هن خريجات مدرسة راهبات فرنسية, وأنا كنت كذلك, كما وردت في البداية على لسان الأم عبارة:"لا تفتشي عني بين شخوص هذه الرواية, فربما كنت احداهن, أو ربما نثرت أجزاء من روحي فوقهن, أو ربما نأيت من الأصل عن التواجد بينهن", وكانت العبارة مدخلاً تشويقيًا أردته كي أجتذب انتباه القارئ.
- أخذ عليك البعض جنوح الكاتبة للشعرية, ومفارقة النص الروائي من أجلها, لماذا؟
- الكتابة الشعرية لا تعيب النص, بل ربما تثريه, وهي ليست تهمة لأتبرأ منها, فهذا الرأي يحصر الكتابة الابداعية في قالب واحد, ويفترض أسلوبًا معينًا للكتابة.
- استخدمت لغة ثورية في "حفل المئوية" فأعتبر البعض أنها تمهيد لثورة مقبلة, فهل كنت تتنبئين بالثورة؟
- قد لا يعلم الكثيرون أن لغتي في الحياة العادية ثورية, سواء على المستوى الشخصي, أو في العمل, أو حتى عند كتابة المقالات السياسية, ومشاركاتي على "الفيس بوك". ولكني لم أمهد لثورة مقبلة بقدر ما استشرفت المستقبل, وما يمكن أن يحمله من تغيير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي كنتيجة للتغير السياسي, وهذا من الأمور الحتمية التاريخية, فلا أحد يستطيع أن يقف في وجه المستقبل والتطور. لذلك قلت في مقدمة الرواية على لسان الأم آن "الدول تمر بفترات صعود, فهبوط, ثم صعود ثان, وهكذا". "واذا ما اعتقد البعض أنني قد تنبأت في نصي بالثورة المصرية فهذا دور الروائي والمفكر الذي يرى, ويحلل, ثم يقدم رؤيته للجمهور, فكل الثورات قامت على مقالات ونصوص المفكرين والفلاسفة, وكم أتمنى أن أكون يومًا من الأيام واحدة ضمن فصيلهم"
- ماذا عن الرمز في الرواية والذي يراه البعض من أجل مناقشتك لقضايا السياسة والدين في المجتمع المصري?
- أعتقد أنني كنت أبعد ما يكون عن الرمزية في هذه الرواية, فأنا حتى الآن لم استخدم الرمز خارج نطاق نصوصي الشعرية. وربما كان المكر الوحيد في الرواية, اذا جاز تسميته مكرًا, هو أن الساردة العليمة كانت "الأم المتوفاة" وليس الراوي كاتب النص.
- هل توافقين الناقد العراقي نزار عبدالستار فيما يراه من أن بطلات روايتك هن مجموعة أفكار وأحلام؟
- الأستاذ نزار الروائي والناقد المحترم كان يرى أن فتيات الرواية على الرغم من ظهورهن بمظهر يتجلى فيه الضعف أو قلة الحيلة, لكنهن في النهاية تحديدًا يتغلبن على هذا الضعف, وينتصرن لارادتهن, وحريتهن الشخصية التي ربما تخالف عرفًا مجتمعيًا تربين عليه وانتهجنه طوال الوقت. وهذا موجود في شخصية" دينا" تحديدًا التي تصدم وعي المتلقي بشكل كبير.
- اعتبر بعض النقاد أن الرواية تسترجع مصر بقيمها الثقافية واشعاعها التنويري, ولكن أحيانًا ما يكون ذلك على حساب التوازن الفني, ما رأيك ؟
- كان هذا رأى الأساتذة حسين دعسه, ونزار عبدالستار, وهشام أصلان, وكل هذه الآراء أحترمها وأجلها, ولهم مطلق الحرية في ابداء ما يرونه. لكنني أرى أن لغتي مثلاً كانت شديدة الالتصاق بطبيعة الموضوع المحكي عنه, وأن المباشرة في بعض الأحيان كانت لغاية ابراز المعنى.
- الى أي مدى تأثرت بمسرحية "شبح الأوبرا" خصوصاً وأن البعض يرى ظلالها على شخصيات "حفل المئوية" ؟
- استخدامي لتلك المسرحية لم يكن لشيء سوى اعجابي الشديد بها, ولكونها نصاً فرنسياً, فكان لاستخدامها ضرورة في الفصل الخاص بالبطلة "جوى" والتي كانت تدرس بقسم اللغة الفرنسية, ولم أقصد بها شيئًا محددًا.
- عالجت في روايتك عددًا من المحظورات كالجنس والسياسة والدين, ألم تخشين من عواقب ذلك ؟
- أنا أرى أن الابداع لا سقف له ولا يحده شيء, وأن الكاتب لا يمكن أن يكون مبدعًا وهو مقهور ومقيد بالأصفاد المجتمعية, والتفكير الخرافي, وغير المنطقي. وكي يفهمني الآخرون خطأ, أنا لا أشجع على الكتابة الجنسية الفجة التي لا تبغي سوى الاثارة, وضمان التوزيع والشهرة, على حساب التوازن الفني. وأعتقد أنني تناولت الجنس بتحفظ, ودون الاستعانة بكلام أو مصطلحات جنسية, بل أن استخدامي للرمز كان في هذا الموضوع تحديدًا للاحالة على ما أريد قوله. وأنا عمومًا عندما أكتب لا ألجأ الى أي مؤثرات في الخلفية تحد من تجوال عقلي وحريته.
- هل المجتمع الشرقي ينظر للكاتبات ويهتم بانتاجهن قدر اهتمامه بالكتاب؟
- الكاتبات في مجتمعاتنا, وحتى في شريحة كبيرة من المثقفين, ناقصات موهبة, ودائمًا ما يكن في منزلة أقل من تلك التي يحتلها الكُتاب الرجال, وغالبًا ما تلاحقهن التهمة سابقة التعليب, وهي "الكتابة النسوية", وكأنها وصمة أو لعنة تطاردهن.
- الى أي مدى يمكن أن يتغير هذا الوضع في أعقاب ثورة يناير؟
- ثورة يناير ربما أحدثت تغييرا سياسيا, لكنها بعد لم تحدث تغييرا اجتماعيا أو فكريا, وعندما يحدث ستحظى المرأة المصرية بفرصة أكبر, وليست الكاتبات فقط. ولكن ذلك يحتاج الى خطة لتطوير التعليم, وتحرير الاعلام. وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها, ولكنه سيستغرق سنوات.
- كيف ترين معاناة الكتاب الشباب والمبدعين اليوم, لنشر أعمالهم, في ظل غياب الرعاية والدعم من قبل وزارة الثقافة ؟
- بالفعل الكتاب الشباب يعانون كثيرًا, خصوصاً وأن الكثير منهم ليست لديهم المقدرة على تمويل أعمالهم أو الترويج لها, أو رعايتها من الناحية النقدية, لذلك فلابد من أن تستعيد وزارة الثقافة دورها وأن تقدم الدعم المادي والاعلامي للكتاب الشباب, من ذوي الموهبة الحية. وأتمنى أن تنتبه الوزارة لذلك مع دخولنا في العهد الثوري الجديد.
- ما أخطر العقبات التي تواجه الروائي العربي؟
- أخطرها هي الملاحقة القضائية, ومحاكم التفتيش, وتهم التخوين والعمالة.
- ما مفهومك عن الابداع النسائي? وهل تعتبرين أن كتاباتك تأتي من منظور نسوى؟
- الابداع النسائي مثله مثل الابداع الرجالي, فكلنا انسان, وفي النهاية ما يصدر عنا لا يوضع سوى في خانة الابداع بالمفهوم المطلق للكلمة. وبالنسبة لكتاباتي فهي تعنى بالانسان أيًا كان جنسه أو خلفيته الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
- ما آخر ابداعاتك الأدبية ومشروعاتك المستقبلية؟
- انتهيت من كتابة رواية ثانية, لكن طباعتها ربما تتأخر نظرًا للظروف التي تمر بها مصر الآن, كما أحلم بتجميع نصوص شعرية من تأليفي والتي تشترك في وحدة الموضوع لأقدمها في ديوان شعري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق