حسين دعسة
«ربما سأكتب عني في رواية منفصلة..»
بمثل هذا التأكيد تنتهي الروائية عن هذيانها، وتدخل الى عالم «حفل المئوية» مرة اخرى لانها - ببساطة - تريد ان تكتب عن اشياء تستطيع: (احتواء دواخلي وهذيان جنوني وتعدد بل وتناقض مكونات شخصيات عدة تسكن بداخلي..».
«حفل المئوية» تجاوزت الكاتبة المصرية «رضوى الاسود» ذاتها، الى ذات المكان المصري الحميم، رحم الانسان والارض، رحم المعاناة التي عاشتها مصر التي نريد.
الى أمكنة بنتها الكاتبة الاسود، وبنيناها معها - ايضا - ها هي تعيد رحلة الالتقاء بين الواقع والمكان ومعيشة الناس تمهيدا لثورة قادمة من ارض محددة تقول عنها في روايتها الصادرة عن (بيت الياسمين) للنشر والتوزيع - القاهرة 2010: «ارقها سعيها الدائم نحو تغيير المجتمع بفرض مظاهر حريتها الشخصية على كل من حولها، حتى تنتزع منهم اعترافا - ولو ضمنيا - بحرية الفرد، الانسان» وهي كما تريد الرواية، حياة على وزن واحدة من اهم الشخصيات في الرواية، شخصية نُسيلة التي: (كل شيء فيها ينضح بالانطلاق والثورة والتمرد..».
كما تترك مسرحية شبح الاوبرا ظلالها على شخصيات (حفل المئوية) وتصبح مثار وعي اجتماعي وانساني متقدم ولا نعرف لماذا جرى هذا الاختيار الا اذا كان الفعل المسرحي فعل ثوري انساني كما تريد (الاسود).
ما بعد الحدس
في حفل المئوية، تلتقي مصر ام الدنيا «الانثى» التي تختلف مستويات الشخصية بين امرأة واخرى، فالراوي، يلجأ الى تفصيل حياة مصر والمصريين، ضمن عدة قوالب جمالية اولا، وانسانية ثانية، فيما ينحاز الى الشارع في محصلة الرقي بالنماذج المختارة، وعليها دور التغيير والتنوير والحراك الاجتماعي.
«حفل المئوية» هو حفل ام الدنيا، بعد عقود طويلة من المعاناة والصبر والكفاح، وتتمثل ام الدنيا بالروائية «رضوى الاسود» التي التبس عليها ابناءها, فجمعتهم في الحفل الغريب، المهم، المؤشر على ثورة التغيير:
رانيا: «امرأة في منتصف الثلاثينيات من عمرها، ممتلئة الجسد.. حتى لتخالها من فرط السمنة والحزن المرتسم على وحجهها على مشارف الخمسين».. وهي ايضا: «ابنة الطبقة الطفيلية التي ظهرت بشكل سرطاني في اواخر السبعينيات من القرن الماضي».
مريم: «فتاة فارعة القوام، اقرب الى النحافة، يميل وجهها للاستطالة تجلس مستوية على مكتبها الخشبي امام جهاز الكمبيوتر».. وهي: «تزوجت شخصا لا تعلم عنه شيئا سوى انها تحبه (....)، املا في السعادة، تفتحت مسامها الانثوية على حرارة جسده، ..كالوردة تفتحت على يديه..».
نُسَيلة: «فتاة جميلة، خريجة معهد سينما، قسم تصوير، من اوائل دفعتها المكونة وقتها من ثمانية طلاب (...) كانت هي الفتاة الوحيدة بينهم، فهذا القسم الى حد ما ذكوري الملامح، مجتهدة، محبوبة من كل الزملاء...» وكان ابوها استاذا في المعهد: «ذلك الهيكل وتلك المؤسسة التي لا تخلو من الواسطة والمحسوبية في قبول الطلبة ومن ثم ترقيتهم الا من رحم ربي..» وهي تقول: «انا لست عدوة للرجال كما يقال عني دائما لكن فكرة ا لزواج ترعبني فانا لا اطيق الفشل، ولا احتمله، وبصراحة شديدة انا لا استطيع تحمل مسؤولية اطفال».
دينا: كانت دينا فتاة بيضاء البشرة هادئة الجمال، ملائكية الملامح، في عينيها يسكن حزن واضح، قديم قدم التاريخ، وكانت متدينة بطبعها (...) ولدت لزوجين ينتميان لاعلى درجات الطبقة المتوسطة، الحقتها جدتها حينما بلغت ثلاثة اعوام ونصف ودرست بمدرسة للراهبات الفرنسية، لانها كنت برعاية الجدة الاب والام اتجها الى الخليج حيث البترودولار والطلب الشديد على العمالة المصرية.
وتقول رضوى الاسود عن العمالة في تلك الفترة: «تلك الهجرة الجماعية للعمل خارج مصر، تلك الظاهرة وتلك الظروف الاقتصادية التي دفعت ابناء دولة (...) كانت ابد الدهر قبلة المهاجرين من كل بقاع العالم».
وتلبس دينا الحجاب كانت تلك الفترة ذروة مد ديني من اهم مظاهرة الحجاب الجماعي ونشاط ملحوظ للاخوان المسلمين في كل الجامعات المصرية.
جوى: تزوجت في سن مبكرة لم تكن قد اكملت عامها العشرين كانت في السنة الثانية من كلية الاداب قسم لغة فرنسية واكملت السنتين الاخيرتين بكل عند وثقة واصرار وهي في بيت الزوجية سبب زواجها المبكر اصابة امها بمرض السرطان وتمت الزيجة بسرعة فائقة تحت رغبة الزوج والحاح الام التي كانت الدقيقة الزمنية بالنسبة لها فاصل بين الحياة والموت ولكنها في نهاية مشوارها لا تعرف الى أي شيء تتجه.
اروى: تصفها «حفل المئوية» بانها فتاة هي تجسيد للجمال الكامل بغير نقصان وذات جمال داخلي يكمل جمالها الخارجي في تناغم عجيب قلما وجد تجسيد تذوب فيه الروح والهيئة، ثم هي خريجة الجامعة الاميركية قسم ادارة اعمال تعمل في شركة اميركية متخصصة في مجال البرمجيات وتشغل منصب مدير عام فرع مصر.
ابنة وحيدة لابوين صحفيين زملاء دراسة كانا قد تحابا وتعاهدا على الارتباط اعتقلا في سنة 1969 واطلق سراح الام بعد قضائها عاما كاملا ثم تلاها الاب الذي خرج من المعتقل سنة 1972 الام سليلة طبقة الاقطاع الزراعي الاستقراضية وكان الاب ينتمي لطبقة متوسطة ذات جذور ريفية آمنا بالاشتراكية وحلم القومية العربية والوطن الواحد وآمنا بكرامة المواطن المصري والعربي في مواجهة الرأسمالية الاميركية والصهيونية وقد دفعا الثمن غاليا من حريتهما وكرامتهما.
تنتج ثورة رضوى الاسود في حفل المئوية، عدة شخوص في صفتها الحكائية الروائية، عدا عن مئات من الأمنكة، الشخصيات الستة، تقابل اماكن اثيرة منها المدرسة ومعهد اللغات ومعهد السينما والتمثيل والجامعات هم «فكرة الثورة» تحركوا في ميدانها «المدرسة» واختزلوا تاريخ مصر الحديث في مقابل تاريخ مدرستهم التي جمعتهم فكانت بوادر التحرر من الخوف والمكان والزمان والهاجس الامني، وحتى الهاجس العائلي.
ونرى تأكيد ذلك على الصعيد الاجتماعي والنفسي عبر قراءة نقدية ذكية قارن بها الكاتب الناقد احمد الخيال، شخوص الرواية وعالمهم الذاتي وارتباطهم بالمجتمع من حولهم.
فيقول الخيال على مدونته: «ان هذا التماهي الدخول الى المكان بفعل ثوري نفسي، هيأه مدرسه الشخصيات الروائية الى ان تكون انموذجا متقدما لمصر المكان والزمان وساحة الثورة.
ويعود الخيال الى سر اسرار الراو ي:» وعلي الجانب الآخر تجدر الإِشارة الي ان الكاتبة استطاعت بوعي حقيقي تجنب تصدير صورة الرجل ( الذكر _ الجسد ) علي هيئة خصم او منتهك او مستغل فقط وبالتالي الإرتداد والتمحور حول الهويّة الساردة ولكن تم زرع شخصيات الرجال التي تحمل مضمونا مغايرا ( حسن ) العاشق الحقيقي والمتفهم ل ( مريم ) وشخصية الخال الأب الروحي ل ( دينا ) و(اكمل ) فارس مشهد الختام ل(أروي ).. و(شادي ) اله الغفران ل(نسيلة ).. و(سفيان ) بتوهجه المحيي لموات ( جوي ) وبالتالي مقاومة غواية تشييء الرجل واعتباره واختصاره في مجرد جسد متقاطع او متواز بحسب طبيعة العلاقة مع الموجود الانثوي الحاضر بصورة رئيسة في النص» .
فعل الوخز
ولعل هذا ما جعل الكاتب الناقد هشام اصلان يكتب عن فعل الثورة كأنه فعل الوخز:
«اتفقنا منذ البداية أن العمل الأول كالضغط على جرح حى، تخلصت الكاتبة من وخزه، صرخت مع نزيفه كى ننتبه، ولطخت دماؤه أفكارا سوّست ريادتنا وثقافتنا التى تحاكى بها الجميع فى زمن مضى، وباتت تنحنى خضوعا للحلال والحرام. فراحت رضوى الأسود: «تفك أزرار الخجل، وتخلع معطف القيود، وتطارح طيشها الغرام، وتمارس فعلا فاضحا اسمه الكتابة»، ربما تكتشف ذات يوم، أن التأمل لم يضع هباء، وأن «الإجابات تأتى أحيانا بحجم الأسئلة».
وقد لمس الناقد العراقي نزار عبدالستار في صحيفة المدى العراقية (تشرين اول 2010) مثل هذا الاندفاع نحو الخلاص التفرد، والندرة فاكد عبدالستار:
«القصص الست تبدو في إطارها الاجتماعي انحناءات حياتية طبيعية ولكنها تمثل تحديات في المقام الأول حيث ان بطلات الرواية: رانيا ومريم ونسيلة ودينا وجوى وأروى، هن مجموعة أفكار وأحلام أرادت المؤلفة ان تجعلهن متيقظات وحاضرات في الصراع حتى في اشد حالات الضعف. وكما أن دينا في النهاية تقوم بخلع غطاء الوجه أمام جموع الحفل في المدرسة «مثلما خلعت صفية زغلول غطاء وجهها أمام الجموع تعبيرا عن تحرر المرأة من الانزواء في الحريم التركي» فان أروى تدافع عن الفن وترى انه لا يجب الحكم على رواية أو لوحة فنية من منطلق ديني ومثلها جوى التي تبحث عن الطاقة الايجابية في الحياة ممثلة بالحب والحلم. أما نسيلة فانها تحترم الحرية كقيمة مطلقة وهو أيضا ما تدركه مريم وتراه يتطابق مع روحها وميولها الأدبية بينما رانيا ابنة الطبقة الطفيلية التي ظهرت» بشكل سرطاني» في أواخر السبعينيات من القرن الماضي فهي منقسمة الجسد والروح.رضوى الأسود وضعت في روايتها عشرات الأسماء لشخصيات أدبية وفنية وفكرية ولروايات وكتب، وبطلاتها يتحدثن بثقة ويدافعن عن أفكارهن بيقين لا يتزحزح. انها محاولة واعية من المؤلفة لاسترجاع القيمة المسلوبة، ولنقل استرجاع مصر بقيمها الثقافية واشعاعها التنويري، وهذا الإصرار جاء أحيانا على حساب التوازن الفني إلا انني أجده مقبولا ويحسب للمؤلفة فدنيا ارتأت أن تقلد شخصية وطنية مثل صفية زغلول لا أن تأتي بشيء جديد وهذا بمثابة تذكير وعودة إلى نقطة الانطلاق الأولى، كما ان دعوة المشاركة بالحفل التي أرسلتها مدرسة الراهبات إلى طالباتها هي أيضا استدراج إلى اللقاء وإزاحة اللبس والعودة إلى فهم قيمة التسامح وكأن رضوى تريد أخبارنا أن الظلام المحيط بنا لا ينتمي الينا واننا اجتهدنا في تفسيرات خاطئة للدين والثقافة والحياة وعلينا استرجاع حقيقتنا.
حفل المئوية رواية أخلاقية تنتقد مصر التي منعت الموديل العاري منذ عام 1979 بينما مايكل انجلو كان يرسم لوحته الجدارية العملاقة عن سفر التكوين على سقف كنيسة سيستاين وهو عار كي يكون جسده هو الموديل الحي الذي أمامه. انه التضارب والانغلاق وهذا هو الخطر الذي تنبه اليه الرواية وترجونا من خلاله ان نبحث عن نورنا القديم المتميز.
ان تاريخ الرواية العالمية يرتبط بالدافع النبيل وهذا سبب وجيه لمسامحة هنري مللر و د.هـ .لورنس والعديد من كتاب الرجة الكهربائية. الكثيرون هذه الايام يفتقرون إلى حكمة طاغور لكن من الضروري أن يكون بيننا من لا يعرف أن الحياة مشبعة بالغش. انه الاعتماد الجذري على القيمة الإنسانية والحياتية وهذا بحد ذاته يشيع التفاؤل لاننا في النهاية نكتب من أعماق قلوبنا.
ارثنا الروائي العظيم
في حقيقة الأمر ان ارثنا الروائي العظيم تأسس على الأخلاق وإذا ما أخذنا تاريخ المتعة الفنية الذي لخصته روايات مؤلمة تفضح الشقاء الإنساني وتسجل أقسى حالات الظلم والاستبداد فان الخلود كان من نصيب الأعمال التي كتبت بضمير حي يصل إلى درجة النقاء الكلي. على هذا الشكل لا يمكن لأحد أن ينتقد فيكتور هيجو أو تولستوي أو دوستويفسكي فهؤلاء خرجوا من حلبة التقييم إلى مركبة النصر. قياسا بهذه الصورة يمكن القول أن رضوى الأسود تختلف تماما عن جيلها من الروائيين الجدد فهي ليست ضمن موجه بحر وعملها الأول وان شابه الاندفاع المنفعل بطاقة الروح فانه يؤسس لخطاب جديد متعقل ويعد بالكثير».
الكتابة فعل فاضح
في سياق المكان (الداخل - النفس - الاثر) نجد رضوى قد اعترفت في حوار مع مجلة روز اليوسف: بان الكتابة فعل فاضح وانها «بيان» لتوجيهات الانسان:
اذا عاشت الرواية المكان وعاش المكان الثورة وكان من البواكير في تلمس طريقها، ان «حفل المئوية» هو فعل للناس وللحراك، دعوة الى الرقص خارج اطر الخوف والرعب لمنح الجسد مكانته، وهنا عاش «الجسد الانساني» في «مكان انساني» على ارض ام الدنيا وروحها الجديدة، الانيقة مثل حفل دائم بالحرية..
«- هل تؤمنين بان الكتابة وكما جاء علي لسان إحدي بطلاتك هي ممارسة فعل فاضح؟
الكتابة بشكل أو بآخر، وكما جاء علي لسان إحدي بطلات الرواية (دينا)، وكما كتبت الأم في مقدمة الرواية، هي كشف لدواخل النفس، وبيان لتوجهات الإنسان الفكرية والسياسية والإنسانية، كما أنه يكشف الإنسان أمام نفسه أكثر مما يجعله أكثر صفاء وصدقا مع نفسه ومع الآخرين، ويصل لما يريده بشكل أكثر يسرًا، لأنه عرف ما يريد سلفا».
=فراشات الحرية
«حفل المئوية» والميدان، والمكان في مصر، تحديدا القاهرة، يمنح العمل حيوية التلقي الممهد لفعل الحراك الاجتماعي والوطني، قصة فتاة معهد السينما، العبارات التي تقع على شط نهر النيل، مدارس اللغات، الكليات العلمية المسرح تقاطعات المشروعات...الخ.
المكان في «حفل المئوية» يحمل ذات ونبض الانسان الذي حمل تاريخه، فنة، مواقفه الى خارج حدود الخوف والصمت، رضوى قالت هيا الى التغيير واطلقت فراشات الحرية بشفافية عالية، من خلال ما جرى في «حفل المئوية».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق