رضوى الأسود
البديل
27 مايو 2012
من كان يتخيل ولو للحظة واحدة أن دعاة الدولة المدنية من ليبراليين وعلمانيين وشيوعيين وثوريين حقيقيين سيأتى عليهم يوماً ربما سينتخبون فيه واحداً من دعاة الدولة الدينية والحجر على الإبداع والتفتيش فى الضمائر وهو ممثل الإخوان المسلمون "محمد مرسى" ؟!
صحونا جميعاً على كابوس كنا نتخوف منه بشدة وجاءت نتيجة الإنتخابات لتضع حلم الثورة بين المطرقة والسندان، بين شوفينية الدولة الدينية الإقصائية التكفيرية وشمولية وقمع الدولة العسكرية البوليسية.
معروف للكافة لماذا رجحتا كفتا "شفيق" و"مرسى"، ويكفى ذكر سببين أساسيين وهما: الرشوة السياسية والتى تلقاها كل ذى حاجة وما أكثرهم، و الأمية السياسية التى يعانى منها المتعلم قبل غير المتعلم وما أكثرهم أيضاً.
فيلق واحد فقط مما سيأتى ذكرهم كان كفيلاً بألا يكلفنا هذا الثمن الباهظ:
1- المحسوبون على الليبرالية (ولا أقل الإسلاميين) الذين صوتوا لأبو الفتوح بتكوينه وخلفيته الإخوانية.
2- المحسوبون على التيار الثورى، لو لم يقرروا مقاطعة الإنتخابات، فصوتوا "بصمتهم" بالسلب لمرشح و بالإيجاب للآخر.
3- الغالبية الكاسحة للمسيحيين الذين تخوفوا من التيار المتأسلم.
يبدو - و يا للعجب - أن كل هؤلاء لم يكونوا يعلمون أن بُغيتهم و أحلامهم الثورية الليبرالية فى دولة حرة ديمقراطية بدون خلفية دينية لاتقصى الآخر (وأنا أعنى هنا ليس فقط إقصاء المسيحى ولكن إقصاء غير الإخوانى) كانت فى المرشح الذى كان رغم ضعف ميزانيته كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز، حمدين صباحى!!
هنا يجدر بنا الإشارة إلى نقطتين مهمتين:
1- نعم، من قرأ المشهد جيداً كان يعلم أن الإنتخابات لن تكن سوى تمثيلية محكمة الصنع وأن من سيأتى هو مرشح العسكر، لكن لِم تسهل عليهم المؤامرة وتقدم لهم صوتك "المُقاطع" على طبق من ذهب ولا تعتبرها خيانة لدم الشهيد وللوطن بأكمله؟
2- نعم، كان هناك العديد من المرشحين المحترمين، ذوى التاريخ النضالى المشرف أمثال هشام البسطويسى وخالد على وأبو العز الحريرى، لكن تفتيت الأصوات لتسجيل موقف كان خطيئة كبرى وقع فيها من وقع بتخليه عن ترشيح ممثل ثورى يملك ايضاً نفس التاريخ المشرف كانت مؤشراته صاعدة بقوة الصاروخ.
إن معركة الإنتخابات فى أية دولة حرة ليست لُب الديمقراطية، و إنما هى آخر جزء منها، لكن فى واقعنا هذا، وبما أن النظام القديم لا زال يحكم ويتحكم بأمواله التى نُهبت منا بشكل منظم وسافر على مدار ثلاثون عاماً، وبما أن العسكر الذى لا يريد ترك الحكم لمدنى خوفاً من المسائلة والمحاكمة وكشف الحسابات والمستور، لذا كان "شفيق" مرشحهم الأنسب حتى من "موسى" الذى على الرغم من أنه محسوباً على النظام القديم، يظل فى نهاية الأمر مدنياً، ولأن الوضع عندنا معكوساً بمعنى أننا ننتخب رئيساً لا هو شخصياً ولا نحن نعرف صلاحياته لأننا لم نضع دستوراً بعد، ولأجل كل ما سبق كانت معركتنا الإنتخابية فى واقع الحال معركة حياة أو موت، معركة إنتصار للثورة ومبادئها أو نهاية الثورة للأبد، موت النظام القديم وبناء مصر جديدة ديمقراطية حرة كريمة، إو إحياءه من جديد ليتم التنكيل بشعب قد تجرأ يوماً ونادى بإسقاطه !
أعلم جيداً ان الإختيار صعب، بل يكاد يكون مستحيلاً، نظراً لأن الإختياران فى جوهرهما سيؤديان إلى نفس النتيجة وهى الحكم الشمولى و عدم تداول السلطة وبالتالى تأخر العملية الديمقراطية.
لقد كان لسلوك الإخوان منذ قبيل الثورة وحتى الإنتخابات الرئاسية (ولن أقل على مدار تاريخهم الثمانينى) مواقف توصيفها الحقيقى هو بيع الثورة والتآمر عليها من أجل مكاسب شخصية نفعية. لكن دعونا نتسائل :
1- هل تعطى صوتك لقاتل فاجر أم لكاذب منافق؟
2- فى حال وصول أياً من الطرفين للرئاسة، من تستطيع (بصفتك الثورية المدنية) أن تقف أمامه و تعارضه ويكون أقل هواناً، من يمتلك الآلة القمعية العسكرية والبوليسية والمخابراتية أم الإخوان؟
أعتقد أن السبيل الوحيد لإخراجنا من هذا المأزق الأليم وللإجابة على كل الشكوك والتساؤلات التى تعتمل بداخلنا فتحرمنا النوم تكمن فى أخذ ضمانات كافية مكتوبة وعلنية على رءوس الأشهاد من معسكر الإخوان، إما هذا أو فلتحتفظ بصوتك، فلا هذا يستحق ولا ذاك .. وتستمر الثورة ..
التجربة الديمقراطية تجربة ثرية عميقة مليئة بالأخطاء والدروس المستفادة، لذا فهى تصحح نفسها بنفسها ولاتقف عند سقف محدد، بل هى فى تصاعد رأسى مستمر. لقد أخطأ الجميع منذ بداية الثورة وحتى الآن، وهذا طبيعياً ومتوقعاً، وقد وقعت كل الأمم التى كانت تجرب الديمقراطية لأول مرة فى نفس ما وقعنا فيه.
فى ملعب الإخوان الآن فرصة ذهبية للتصالح مع المجتمع الذى لفظهم بعقابهم فى الإنتخابات الرئاسية، فلم يحصدوا سوى أصواتهم، بإمكانهم التدليل على عمق ثوريتهم و إقصائهم لمبدئهم الإقصائى، آمُل أن يغتنموا الفرصة السانحة ولايضيعوها ولا يقعوا فى نفس الخطأ التاريخى المتكرر، فأمامهم فرصة حقيقية لإنقاذ الوطن وما تبقى من سمعتهم، بإمكانهم الدخول للتاريخ من أوسع أبوابه بتصالحهم مع كل القوى الوطنية الثورية والخروج بمصر من مأزق يعلم الله وحده مداه، أو ينتهون للأبد سواء أتى "شفيق" فنكل بهم وأودعهم السجون أو كان الحكم من نصيبهم فأستاثروا بالحكم وأقصوا بقية أطياف الشعب الذى سيودعهم بدوره الباب الخلفى للتاريخ
البديل
27 مايو 2012
من كان يتخيل ولو للحظة واحدة أن دعاة الدولة المدنية من ليبراليين وعلمانيين وشيوعيين وثوريين حقيقيين سيأتى عليهم يوماً ربما سينتخبون فيه واحداً من دعاة الدولة الدينية والحجر على الإبداع والتفتيش فى الضمائر وهو ممثل الإخوان المسلمون "محمد مرسى" ؟!
صحونا جميعاً على كابوس كنا نتخوف منه بشدة وجاءت نتيجة الإنتخابات لتضع حلم الثورة بين المطرقة والسندان، بين شوفينية الدولة الدينية الإقصائية التكفيرية وشمولية وقمع الدولة العسكرية البوليسية.
معروف للكافة لماذا رجحتا كفتا "شفيق" و"مرسى"، ويكفى ذكر سببين أساسيين وهما: الرشوة السياسية والتى تلقاها كل ذى حاجة وما أكثرهم، و الأمية السياسية التى يعانى منها المتعلم قبل غير المتعلم وما أكثرهم أيضاً.
فيلق واحد فقط مما سيأتى ذكرهم كان كفيلاً بألا يكلفنا هذا الثمن الباهظ:
1- المحسوبون على الليبرالية (ولا أقل الإسلاميين) الذين صوتوا لأبو الفتوح بتكوينه وخلفيته الإخوانية.
2- المحسوبون على التيار الثورى، لو لم يقرروا مقاطعة الإنتخابات، فصوتوا "بصمتهم" بالسلب لمرشح و بالإيجاب للآخر.
3- الغالبية الكاسحة للمسيحيين الذين تخوفوا من التيار المتأسلم.
يبدو - و يا للعجب - أن كل هؤلاء لم يكونوا يعلمون أن بُغيتهم و أحلامهم الثورية الليبرالية فى دولة حرة ديمقراطية بدون خلفية دينية لاتقصى الآخر (وأنا أعنى هنا ليس فقط إقصاء المسيحى ولكن إقصاء غير الإخوانى) كانت فى المرشح الذى كان رغم ضعف ميزانيته كان قاب قوسين أو أدنى من الفوز، حمدين صباحى!!
هنا يجدر بنا الإشارة إلى نقطتين مهمتين:
1- نعم، من قرأ المشهد جيداً كان يعلم أن الإنتخابات لن تكن سوى تمثيلية محكمة الصنع وأن من سيأتى هو مرشح العسكر، لكن لِم تسهل عليهم المؤامرة وتقدم لهم صوتك "المُقاطع" على طبق من ذهب ولا تعتبرها خيانة لدم الشهيد وللوطن بأكمله؟
2- نعم، كان هناك العديد من المرشحين المحترمين، ذوى التاريخ النضالى المشرف أمثال هشام البسطويسى وخالد على وأبو العز الحريرى، لكن تفتيت الأصوات لتسجيل موقف كان خطيئة كبرى وقع فيها من وقع بتخليه عن ترشيح ممثل ثورى يملك ايضاً نفس التاريخ المشرف كانت مؤشراته صاعدة بقوة الصاروخ.
إن معركة الإنتخابات فى أية دولة حرة ليست لُب الديمقراطية، و إنما هى آخر جزء منها، لكن فى واقعنا هذا، وبما أن النظام القديم لا زال يحكم ويتحكم بأمواله التى نُهبت منا بشكل منظم وسافر على مدار ثلاثون عاماً، وبما أن العسكر الذى لا يريد ترك الحكم لمدنى خوفاً من المسائلة والمحاكمة وكشف الحسابات والمستور، لذا كان "شفيق" مرشحهم الأنسب حتى من "موسى" الذى على الرغم من أنه محسوباً على النظام القديم، يظل فى نهاية الأمر مدنياً، ولأن الوضع عندنا معكوساً بمعنى أننا ننتخب رئيساً لا هو شخصياً ولا نحن نعرف صلاحياته لأننا لم نضع دستوراً بعد، ولأجل كل ما سبق كانت معركتنا الإنتخابية فى واقع الحال معركة حياة أو موت، معركة إنتصار للثورة ومبادئها أو نهاية الثورة للأبد، موت النظام القديم وبناء مصر جديدة ديمقراطية حرة كريمة، إو إحياءه من جديد ليتم التنكيل بشعب قد تجرأ يوماً ونادى بإسقاطه !
أعلم جيداً ان الإختيار صعب، بل يكاد يكون مستحيلاً، نظراً لأن الإختياران فى جوهرهما سيؤديان إلى نفس النتيجة وهى الحكم الشمولى و عدم تداول السلطة وبالتالى تأخر العملية الديمقراطية.
لقد كان لسلوك الإخوان منذ قبيل الثورة وحتى الإنتخابات الرئاسية (ولن أقل على مدار تاريخهم الثمانينى) مواقف توصيفها الحقيقى هو بيع الثورة والتآمر عليها من أجل مكاسب شخصية نفعية. لكن دعونا نتسائل :
1- هل تعطى صوتك لقاتل فاجر أم لكاذب منافق؟
2- فى حال وصول أياً من الطرفين للرئاسة، من تستطيع (بصفتك الثورية المدنية) أن تقف أمامه و تعارضه ويكون أقل هواناً، من يمتلك الآلة القمعية العسكرية والبوليسية والمخابراتية أم الإخوان؟
أعتقد أن السبيل الوحيد لإخراجنا من هذا المأزق الأليم وللإجابة على كل الشكوك والتساؤلات التى تعتمل بداخلنا فتحرمنا النوم تكمن فى أخذ ضمانات كافية مكتوبة وعلنية على رءوس الأشهاد من معسكر الإخوان، إما هذا أو فلتحتفظ بصوتك، فلا هذا يستحق ولا ذاك .. وتستمر الثورة ..
التجربة الديمقراطية تجربة ثرية عميقة مليئة بالأخطاء والدروس المستفادة، لذا فهى تصحح نفسها بنفسها ولاتقف عند سقف محدد، بل هى فى تصاعد رأسى مستمر. لقد أخطأ الجميع منذ بداية الثورة وحتى الآن، وهذا طبيعياً ومتوقعاً، وقد وقعت كل الأمم التى كانت تجرب الديمقراطية لأول مرة فى نفس ما وقعنا فيه.
فى ملعب الإخوان الآن فرصة ذهبية للتصالح مع المجتمع الذى لفظهم بعقابهم فى الإنتخابات الرئاسية، فلم يحصدوا سوى أصواتهم، بإمكانهم التدليل على عمق ثوريتهم و إقصائهم لمبدئهم الإقصائى، آمُل أن يغتنموا الفرصة السانحة ولايضيعوها ولا يقعوا فى نفس الخطأ التاريخى المتكرر، فأمامهم فرصة حقيقية لإنقاذ الوطن وما تبقى من سمعتهم، بإمكانهم الدخول للتاريخ من أوسع أبوابه بتصالحهم مع كل القوى الوطنية الثورية والخروج بمصر من مأزق يعلم الله وحده مداه، أو ينتهون للأبد سواء أتى "شفيق" فنكل بهم وأودعهم السجون أو كان الحكم من نصيبهم فأستاثروا بالحكم وأقصوا بقية أطياف الشعب الذى سيودعهم بدوره الباب الخلفى للتاريخ