الخميس، 15 مارس 2012

ان لم تكن ثوريا..فعلى الأقل كن انسانا



رضوى الأسود
البديل
20/12/2011


إذا الشعب يوماً أراد الحياة  ..  فلا بد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي   ..       ولا بد للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة ..   تبخر في جوها و اندثر

فويل لمن لم تشقه الحياة ..   من صفعة العدم المنتصر

هكذا قال الشاعر التونسي “أبو القاسم الشابى” مؤكداً على قدرة الشعب بإرادته وحدها على صنع المستحيل، و أن من يرضى بالفتات ويتخيله انتصارا فهو لا يستحق الحياة. وبالفعل يستجيب القدر لأبناء تونس العظام حينما قامت ثورتهم في 14 يناير 2011، و يهرب الرئيس المخلوع “زين العابدين” و الآن هم يجنون ثمار ثورتهم على الظلم و الطغيان بقيام المجلس الوطني التأسيسي الذي اختار منصف المرزوقى رئيساً للدولة.

إن الحرية اختيار كما أن العبودية هي الأخرى اختيار لمن فقد معنى الكرامة والإنسانية للأبد واستبدلها بالخنوع للجلاد، وإعطائه مبرراً لتعذيبه ومساعدته واستعذابه لذلك فيما يسمى بـ “عقدة ستكهولم”، تلك العقدة التي ترسخت في نفوس الكثيرين على مدار عقود طويلة من انتهاك الحريات و حقوق الإنسان.

انبثقت الثورة من ضغط دام طويلاً على الجرح وقام بها الغنى و الفقير، ربما تباينت الأسباب بينهما، لكن يظل يجمعهما سبب واحد قوى و هي الكرامة الإنسانية التي لا يشعر بها سوى الأحرار الذين يرفضون أن تنتهك آدميتهم في قسم بوليس أو مصلحة حكومية أو طابور عيش، قاموا بالثورة و خرجوا من بيوتهم يطالبون بالحرية و الكرامة لمصر كلها وليس لفئة محددة، فمن نزل للميادين كان يدافع عن نفسه و عمن يقبع في بيته.

إن الثوار هم دائماً قلة واعية وليس مجموع الشعب، و الوعي هنا ليس بالضرورة مرجعة تعليم عالي و شهادات كبرى، فالوعي يمكن أن تجده لدى مواطن بسيط أمي، فقط فتّح عينيه و قلبه و أعمل عقله.

في كتاب “ثقافة الأذن و ثقافة العين” للمغربي عبد السلام بنعبد العالي يقول: “إن الأذن حاسة التلقى، بينما العين، رغم صفائها، قادرة على أن تغلق نوافذها من حين إلى آخر، ثم أنها تخضع موضوع رؤيتها للقلب على شبكيتها. إنها لا تمر إلى موضوعها إلا عبر لف و دوران و انعكاس وتفكير” و يتكلم عن اقتران العين بالتفكير و الأذن بالأخلاق. هنا نلاحظ أن عبارة تغلق نوافذها من حين لآخر للتدليل على عملية الغربلة و الانتقاء و التي تعتمد بالأساس على التفكير الذي يعتمد بدوره على العقل.

إذن كيف نستطيع أن نغلق أعيننا عن مشاهد صورت وانتشرت كالنار في الهشيم عبر قنوات إعلامية وشبكة عنكبوتية تصور المدرعات وهى تلاحق الثوار في مذبحة ماسبيرو وكيف نغلق أعيننا عن مشهد تكسير عظام و سحل المتظاهرين في ميدان التحرير و كيف نغلق أعيننا عن مشهد تعرية فتاة ثورية وسحلها وركلها بالأقدام في جسدها وصدرها وكيف نغلق أعيننا عن مشهد حرق خيام مصابي الثورة و المعتصمين ؟ وكيف نغلق أعيننا عن مشاهد التصويب المباشر للضباط (جيش تارة و شرطة تارة أخرى) بالطلقات الحية والرشاش في عيون وصدور الثوار؟ وكيف ننسى المشاهد الهزلية لمحاكمة مبارك و أعوانه وما تم فيها من تحيات و ابتسامات و علامات نصر بالأيدي؟ وكيف ننسى مشهد الشرطة وهى تترك الحرية الكاملة لـ “أبناء مبارك” يستفزون أسر الشهداء الواقفون أمام المحكمة و في المقابل تنكل هي بأسر الشهداء الذين لم يحركوا ساكناً؟ وكيف نستسيغ سجن و محاكمة المدنيين عسكرياً و هم الثوار أما مبارك وعصابته الذي قامت الثورة ضدهم يحاكمون مدنياً ؟ وكيف وكيف ؟؟

كيف نصدق الخطابات والمؤتمرات الصحفية للمجلس العسكري الذي يقول في كل مرة أنه لم يصوب طلقة واحدة في صدر مصري و أن الدم المصري غالى إلى آخره من الكلمات المستهلكة و المحفوظة عن ظهر قلب، و هو في نفس اللحظة الذي يصرح فيه بهذا يكون ميدان التحرير بالشوارع المؤدية له ساحة مذبحة حقيقة ؟ وكيف نقبل امتهان بيوت الله مثل مسجد عمر مكرم وكنيسة الدوبارة بحثاً عن ثوار و مصابين للقبض عليهم؟ و كيف نقبل استهداف المستشفى الميداني (المستشفيات في كل مكان في العالم مناطق آمنة حتى في الحروب) وخطف مصابين و أطباء وتهديدهم وتهديد أسرهم إن استمروا في إسعاف الجرحى؟

وكيف لا نشكك في الكلمة الممجوجة الأخرى “أيادي خفية” أو “طرف ثالث” في ظل الصرح العظيم و المسمى بالمخابرات المصرية؟ وكيف لم يتم إلقاء القبض على واحد فقط ممن تسلق سطح مبنى مجلس الدولة و كان يرشق المتظاهرين بالسيراميك و الرخام رغم أن التراشق ظل لساعات، وكيف دخل المبنى من الأصل؟ وكيف لم يتم إلقاء القبض على واحد فقط ممن كان يلقى بزجاجات المولوتوف من على سطح المجمع العلمي وممن دخل المبنى نفسه و أضرم فيه النيران و أين شرطة المطافئ التي كان يمكن أن تسيطر على الحريق؟

يقول أفلاطون : “نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر”.

إن الغالبية العظمى من الشعب الذي صحا بعد 25 يناير على فضائح مبارك و تجاوزاته وبيعه للبلد ولشعبه لصالح العدو و نهب مصر عن آخرها، رغم أنه شيء لم يكن ليخفى على أحد، وكانت الرائحة قد فاحت ربما قبلها بعشر سنوات، وكان هناك من الصحفيين و مقدمي البرامج الأحرار الذين فضحوا تلك التجاوزات الفجة، سوف يصحو يوماً على فاجعة ظلمه للثوار حينما تنجح الثورة ويحكم أبنائها البلاد ويجنى الجميع الثمار، من وقف بجانبها و من وقف ضدها.

في فيلم “الإرهاب والكباب”، الذي يصور عادل إمام و هو الإرهابي (بالصدفة) و قد ظل يسأل رهائنه المحتجزين عن طلباتهم من الحكومة، فلم يكن منهم سوى طلب أكلة كباب، و بغض النظر عن فكرة تجاهل المحتجزين للمطالب الأساسية والإنسانية المشروعة وهم في أمس الحاجة إليها وهو ما يؤكد “عقدة ستكهولم” التي طرحتها قبلاً، وبغض النظر عن أن طلبهم يؤكد على حقيقة تجويع الشعب و إفقاره، فدعونا نتذكر المشهد الأخير من الفيلم والذي حمى فيه الشعب ذلك الرجل الذي حمى أرواحهم وأسعدهم ولبى مطلبهم الوحيد، فالتفوا حوله في مجاميع حاشدة حتى ضاع أثره وسطهم ولم يتم إلقاء القبض عليه من قبل السلطات الباطشة، فمن حماهم قد أتى عليهم الدور ليحموه. إن الالتفاف حول الثوار وتعضيدهم هو الضمان الوحيد لنجاح الثورة، فلن تستطع أي قوة مهما تعاظم حجمها على إبادة متظاهرين يملئون ميداناً بأكمله.

فلنتذكر جميعاً أن الثوار الذين اعتصموا بميدان التحرير 18 يوماً هم من خلعوا مبارك وحاشيته، و لم يقل أحداً وقتها الكلمة الرديئة “عجلة الإنتاج”، فتلك العجلة المزعومة يعطلها المجلس العسكري حينما يخلى مصر من قوات الشرطة و يُفقدها الأمن، و حينما ترسل شركة مصر للطيران رسائل لوكلائها السياحيين تحذرهم من إرسال سياح لأن مصر ليست آمنة، و حينما يتم الإصرار على أن يتم التصويت يومي الاثنين والثلاثاء بدلاً من السبت والجمعة. لن تعطل عجلة الإنتاج بمليونيات يوم الجمعة وهى العطلة الرسمية.

ولنتذكر أيضاً مشهد الثوار في ربيعها حينما كانوا ينظفون ميدان التحرير، و مشهد إقتحامهم نيران المجمع العلمي لإنقاذ الكتب التراثية و تسليمها للجيش، إن من يفعل ذلك لا يضرب ولا يقتل ولا يحرق. و إذا كان هناك طرف ثالث فهو البلطجي الذي تفنن في صناعته النظام السابق  شيطان الداخلية الأكبر العادلي، والذي يموله الآن نزلاء سجن طره والفلول بنقود الشعب المنهوبة ليقتل بها بقية الشعب الثائر ويتم تصوير انتهاكاته وإلصاقها بالثوار، أي أن الشعب يقتل الشعب بتمويل الشعب في لعبة قذرة لم يتذكر فيها زبانية النظام السابق فضل مصر عليهم والتي أتوا على آخرها، ويريدون الآن حرقها و حرق شعبها.

إن من يخون مصر و المصريين لا أرجو منه سوى أن يتذكر قصة “الهلباوي” جلاد دنشواي الذي مثّل الإدعاء ضد أهل مصر و أبرأ الإنجليز، لفظه الشعب و ظلت لعنة الفلاحين الذين شنقوا ظلماً تلاحقه حتى مات منبوذاً محتقراً، رغم محاولات التكفير عن ذنبه.

إن مقالي هذا أكتبه لوجه الله تعالى و إرضاء لضميري، و أختتم مقالي بآية من القرآن الكريم: “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” صدق الله العظيم. و بعبارة المذيعة الثورية ريم ماجد التي قالت فيما معناه: “إن ما كنتش مع الثوار، يبقى على الأقل سيبهم في حالهم ولا ترميهم بالباطل”.

الثورة مستمرة.

من يستحق ان يوضع في القائمة السوداء !



رضوى الأسود
البديل
11/11/2011


للمرة المليون وليست الأخيرة يدافع التليفزيون المصري الحكومي عن مكانته التي تربع عليها بجدارة طوال خمسون عاماً .. يستميت في الدفاع عن النظام البائد كما الحالي تصديقاً لمقولة عاش الملك مات الملك.. فهو “رجل” لكل العصور وخادم وفى لكل سلطة باطشة ومن يواليها من أفاقين ومرتزقة ومهرجي السلطان وبائعي الضمائر والأوطان، وعدو لدود للشعب، مصدر رزقه ومموله الأساسي!

القناة.. نايل سينما .. والضيف .. محمد صبحي الذي احتل اسمه مكاناً بارزاً في بعض القوائم السوداء للفنانين والإعلاميين الذين باعوا الثورة وهاجموها بلا خجل!

وفى مكالمة لا أشك ثانية واحدة في أنها سابقة الإعداد والتجهيز، كان المتصل مفيد فوزي الذي لا مجال هنا للكلام عنه، فتاريخه وسجله معروفان وكذلك اسمه الذي وُضع في نفس القائمة الحالكة. كانت المكالمة مباراة بينج بونج ما بين أسئلة وإجابات لا يخفى على أي ساذج أنها قد تم انتُقاؤها بعناية وأُعدت سلفاً، ظهر من خلالها كم الحقد والكراهية لثورة يناير.

أبرز عبارات صبحي في ذلك اللقاء كانت كالآتي: ثمانين بالمائة من الشعب أصبح لا يعلم هل يكره الشرطة أم الثوار؟! كل شعب يستحق حكامه! لا تجلدوا عصام شرف فهو لا يملك عصا سحرية! قتلت الثورة على يد أبنائها! من يقم بالثورة الآن ليسوا هم من قاموا بها في أول الأمر.

وإذا سمح لي سيادته فأنا في حدود معلوماتي الضئيلة ربما أمتلك من التعليقات على عباراته ما يلي:

1- المقارنة بين الثوار والشرطة فاسدة منطقياً ولا تصح، ومعروف تماماً من الذي ترك موقعه وإلى وقتنا الراهن والذي تخلى عن صلاحياته وأخلى الطرقات بل حرم الشعب الذي يدفع رواتبه من وجوده ليعاقبه على ثورته، وليعود بشروطه هو، من إذلال وقمع وتعذيب، وهو ما يحدث حتى الآن في تحد صارخ ومحو كامل لكل ما نادت به الثورة!

2- نعم، كل شعب يستحق حكامه، لكن شعبك أيها الفنان العظيم استفاق أخيراً وقرر الثورة على النظام الفاسد، فهل نظل نجلده طوال العمر على صبره واستكانته علماً بأنه بثورته هذه كان “يغير ما بنفسه” حتى “يغير الله ما به”.

3- في أية ثورة يصبح مطلب “حكومة إنقاذ وطني” قوية استثنائية على مستوى الثورة، مطلباً أساسياً لا غنى عنه وليس رفاهية ولا مستحيلاً، لتعبر بالبلاد من هذه الحلقة الصعبة المليئة بالتحديات. وهو ما لم يحدث في حالتنا، بل كانت السمة الغالبة في هذه الحكومة هي الضعف والتخاذل، بل قتل الثورة. وإذا كانت فترة تسعة أشهر غير كافية لإرساء مبادئ عامة تهدئ من روع الشعب، فترى كم يكفيها من الوقت؟ هل يتطلب تطبيق قانون الغدر أو تحديد الحد الأدنى والأقصى للأجور أو إقالة عمداء الكليات التي بُح صوت الطلاب في المناداة بها تستدعى قروناً؟ إن هذه المطالب القلائل تحديداً كان بمقدورها أن تمتص غضب الشارع وأن تحمى الثورة وأن تنبئ بغد أفضل. لكن ما حدث كان عكس كل التوقعات وكل ما آمل به الشعب، ولا أقُل الثوار، فقانون الغدر يعلم الله متى يطبق، وإن طُبِق فقد فَقَدَ معناه بعد معركة الانتخابات التي تَرَشَح فيها غالبية فلول النظام وأعضاء الحزب الوطني الذين اجتمعوا تحت لواء أكثر من حزب ما هو سوى استنساخا مقيتاً للحزب المنحل، وقد تمت إجازتهم بمنتهى اليسر والسهولة من قِبَل السلطة. ولم يتم حتى الآن من قريب أو بعيد مناقشة الحد الأدنى والأقصى للأجور تطبيقاً لمبدأ العدالة الاجتماعية وهى مطلب أساسي من مطالب الثورة، ولم يتم إقالة أي عميد تم ترشيحه من أمن الدولة في النظام السابق، بل تمت حمايتهم واعتقال الطلاب بعد تلفيق التُهَم لهم!

إن كل ما حدث ويحدث ما هو سوى استفزاز وتحدٍ صارخ لمطالب الشعب تماماً كما كان يحدث سابقاً إن لم يكن أسوأ. ألم يتبادر إلى ذهن الفنان الكبير لمصلحة من يتم كل هذا ؟؟؟

 4- لم تقتل الثورة على يد أبنائها، فأبنائها لم يحكموا بعد، ومن يحكم الآن هو النظام القديم الذي دخل الجحور في بداية الثورة، وها هو الآن على كل الشاشات الحكومية والفضائية، بعد إن احتضنته وحمته السلطة الحالية، يعلن عن نفسه بكل سفور وجرأة، بل يهدد ويتوعد إن تم تطبيق قانون الغدر فسوف يحرق البلاد ليُصدّق هو الآخر على مقولة المخلوع: “إما أنا أو الفوضى”، وقد وفى بوعده هو وأبناءه من عينة “إحنا آسفين يا ريس” وأعضاء الحزب الوطني السابق وعناصر الأمن والشرطة، فكانت حوادث الفتنة الطائفية، وحادث مسرح البالون والعباسية وماسبيرو .. ونحن في انتظار البقية.

نقطة أخرى أرى أن غالبيتنا قد نسيها ولا أعلم كيف؟! فهناك كارثة الإثنا عشر ألفاً من شباب ونشطاء الثورة الملقون في السجون منذ بداية الثورة والعدد كل يوم في ازدياد. فمن يتم إلقاء القبض عليهم وتعريضهم للتعذيب والإهانة وتشويه السمعة وللمحاكمات العسكرية هم الثوار، ومن يتم تجاهلهم وغض الطرف عنهم هم البلطجية من “أبناء مبارك” وفلول الوطني وسماسرة الوطن.

5- ربما اختلفت وجوه الثوار في الميادين، لكن هذا لا يعنى أنهم اختفوا، لقد قامت الثورة على يد الشباب في بادئ الأمر، لكنها سرعان ما اكتسبت بقية الأطياف الشعبية. ربما يستعيدون صفوفهم ويرتبون أوراقهم، لكنهم أبداً لن يتخلوا عن مواقعهم وعن مكاسبهم.

إن موقف كثير من الفنانين (ولا أقل محمد صبحي فقط، فالقائمة تطول)  والذي عرّته الثورة، يحيلنا أمام حقيقة مؤلمة وخطيرة، مفادها أن ما طفقوا يحشرون به عقولنا وقلوبنا على مدار سنوات وسنوات في أعمالهم الفنية، ليس حقيقاً، بل لا يعدو كونه مجرد “أكل عيش” أو تنفيذاً لمطالب فوقية من النظام كوسيلة تنفيس عن الشعب المقهور حتى لا ينفجر!

فمسلسل “يوميات ونيس” بأجزائه التي لا أعلم عددها من كثرتها، والتي دأب صانعها على تلقيننا آداب السلوك القويم من خلال مشاهد خطابية مباشرة وفجة، هو نفسه من قدم عشرات الأفلام الهابطة في حقبة الثمانينات، متناسيا أن الأخلاق لا تتجزأ.

وفنان مثل عادل إمام الذي لم ترحمه محاولاته الدءوبة لتصحيح مساره مدافعاً عن الثورة بعد أن ذبحها في أول الأمر عن التواجد في القائمة السوداء (أنا هنا ربما أحترم صبحي أكثر منه، والذي ظل على مبدأه كارهاً للثورة)، ولم لا وقد كانت علاقته بكل رجالات النظام القديم أكثر من رائعة، وخاصة أسامة الباز ووزير المالية السابق الهارب.

لقد كان لعادل إمام نصيب الأسد في عدد الأفلام التي تنتقد الحكومة وتفضح ممارساتها وقمعها للشعب، وهو في واقع الأمر لم يشغله يوماً ما يعانيه المهمشون في هذا الوطن. لقد نسي الفنانان العظيمان أنهما يوماً ما كانا ممن نطلق عليهم “المنسيون” ممن لا يجدوا قوت يومهم، وهذا ليس عيباً أبداً أو انتقاصا من قدرهما، فغالبية الشعب المصري هكذا، لكن الأمر المحير هو نسيانهما لتلك الأيام وصراعهما مقابل لقمة العيش وحلمهما بالعدالة الاجتماعية والحرية، كما حلم بها ثوار 25 يناير، الذين غادروا منازلهم نحو المجهول، فاتحين صدورهم أمام جحافل الدولة البوليسية التي لا ترحم.

إن تحليلي الوحيد والمنطقي لعداء كثير من النجوم للثورة هو ما أصبحوا عليه الآن، فهم ليسوا فنانين فحسب، بل رجال أعمال، متخمون بالثروات، وبالتالي يصبح تطبيق مبدأ “العدالة الاجتماعية” ضد مصالحهم، فكيف نتوقع منهم أن يقفوا مدافعون عنها وعن مطالبها؟ فالرأسمالية المتوحشة والعدالة الاجتماعية على طرفي نقيض.

لم يظلم شرفاء هذا الوطن الفنانين حينما وضعوا كثير منهم في القائمة السوداء، فعلى قدر الحب تكون الصدمة، وعلى قدر الخديعة يكون العقاب، ونحن شعوب تقدس فنانيها، تصدقهم، تعتبرهم المُثُل العليا، لذا كان المُتوقع منهم الكثير تصديقاً لما اتخمونا به سنيناً طويلة.

كلنا أقباط ندين بالمصريّة



رضوى الأسود
البديل
12/10/2011


مرت بمصر حوادث طائفية عديدة، لكن لم يحزننى حادث مثلما أحزننى ما حدث يوم الأحد الدامى 9 أكتوبر 2011، ولو أننى لا أصنفه كحادث طائفى، بما أن الجانى فيه لم يكن المسلمون، ولكن كان جيش مصر يضرب فى أبناء مصر.. وهذا هو الجديد والفريد والمؤلم !

هالتنى وروعتنى مشاهد الجثث المشوهة بشكل غير عادي والمطموسة الملامح، أشلاء متناثرة، ووجوه مسطحة مستوية بالأرض، وتكسير تام فى كل العظام بل ومفصولة عن رأسها ! وذكرنى مشهد المدرعات وهى تسرع بلهفة القتل فى اماكن التجمهر خلف الناس بعربات الشرطة يوم 28 يناير الماضى.  لكن أكثر ما هالنى، بل قتلنى قتلاً هو قطاع للأسف ليس بالقليل من المسلمين الذين لم يبدون أدنى تعاطف مع ما حدث، بل كان هناك تشفى ينم عن مرض إجتماعى خطير ظل ينهش فى العقول و القلوب حتى فسدت و تعطلت عن آخرها.

ربما أجد لهم بعض العذر فى ظل تحريض استمر لثلاث ساعات عبر شاشات التليفزيون المصرى الذى  أعادنا أيضاً لربيع ثورة 25 يناير من نشر بيانات أقل ما يقال عنها أنها مضللة، لكن هذه المرة (والمصيبة كونها بعد ثورة عمدت للتطهير فى كل المناحى) كانت جريمة التحريض على العنف والفتنة الطائفية متكاملة الأركان. لكن يظل المناخ الطائفى المتشدد الإقصائى الذى تجرعنا مرارته قطرة قطرة على مدى ربما أربعون عاماً هو البطل الحقيقى لهذه الكراهية والبغضاء التى ظل يرسخهما البترودولار الوهابي، بالإضافة إلى عاملين آخرين أساسيين هما الإعلام بكل أنواعه مرئى و مسوع ومكتوب،  و أمن الدولة المتعاون تارة مع الإخوان وتارة مع السلفيين، لنكتشف أن مجموع كل ما سبق حولنا لمتعصبين ليس لدينا مقدار ذرة من تسامح أو تعقل.

كان الدين فى مصر القديمة مرحلة لاحقة و أخيرة بعد إرساء البنية التحتية للحضارة والذى تمثل فى إستقرار المصريون على ضفاف نهر النيل وإكتشافهم الزراعة، و ذلك بعد نزوحهم من المنطقتين المعروفتين الآن باسم الصحراء الغربية والشرقية واللتان تصحرتا بفعل الجفاف وقلة المطر، وعلى ضفاف النيل تكونت  العشائر المكونة من مجموعة من الأسر، وما تبعها من إغارات تطلبت تشكيل التكتلات، ثم بعد ذلك فكروا فى سن القوانين والشرائع، فظهر المحاربون و المشرعون و رجال الدين (الكهنة) وما يستتبع ذلك من مظاهر دينية من طقوس و مراسم و أُضحيات .. ومن يومها و مصر دولة متدينة بطبعها.

لقد تقبلت وإحتضنت مصر على مر العصور الأديان المختلفة – كما الجنسيات المختلفة- بلا مظاهر تطرف أو عنف، فكانت، نظراً لحضارتها الراسخة، قمة التسامح مع الآخر، وهى الدولة الموحدة و المتدينة منذ فجر التاريخ، وهى الحضارة التى قامت على فكرة البعث و الخلود، وعلى الرغم من ذلك تقبلت فى وقت لاحق المسيحية ومن بعدها الإسلام، و التى رأتهما من حيث الروح والجوهر لا يختلفان عن ديانتها الأصلية أو مجموع الحِكَم والقوانين التى تحض على مكارم الأخلاق و التى نراها بوضوح فى “كتاب الموتى” حينما يُقسم المتوفى أمام الإلهة “ماعت” بأنه لم يقتل ولم يزن ولم يكذب ولم ينافق ولم يلوث النيل ولم يخدع أنثى ولم يمتنع عن قول الحق.

بالمناسبة كلمة أقباط لا تعنى مسيحيون، ولكنها تعنى مصريون، وهى تحريف للكلمة المصرية القديمة “إي كو بتاح” أى معشوقة الإله بتاح، أى مصر. وإذن كلنا أقباط.

لقد صلى عمر بن الخطاب بالقرب من مدخل كنيسة القيامة وليس بداخلها كى لا تتحول لمسجد، و أنشىء جامع أبو الحجاج بجوار معبد الأقصر، و فى الدولة المملوكية، أتى “الناصر محمد بن قلاوون” بجزء من مدخل كنيسة فى عكا التى فتحها “الأشرف خليل بن قلاوون” فى إحدى الحروب الصليبية ليزين به مدخل المسجد والمدرسة المعروفان باسمه فى شارع المعز بقلب القاهرة القديمة، بل أن مسجد “آلتمبغا الماردنى” زوج إبنة “الناصر محمد بن قلاوون” والذى شيده الأخير حباً وتقديراً له بعد أن توفى فى ريعان شبابه، عواميده خليط – لم يخلو من سيمترية رائعة- من الجرانيت الوردى المتوج بزهرة اللوتس والذى ينتمى لمعابد فرعونية وأخرى من الرخام الأبيض الذى ينتمى لمعابد رومانية. أى كان هناك فى هذا الوطن تبادل حضارى وتسامح دينى بلا حدود، يتساوى فيها المعبد الوثنى بالكنيسة المسيحية بالمسجد الإسلامى، فكلها بيوت لله الواحد.

وفى منطقة مصر القديمة وتحديداً فى مجمع الأديان نجد جامع عمرو بن العاص بجوار الكنيسة المعلقة بجوار معبد بن عزرا، وقد كان هناك طقساً متبعاً فى الدولة الفاطمية حال تأخر الفيضان، فيه كان يخرج على ضفاف نيل القاهرة كوكبة تشمل الحاكم ومن وراءه شيوخ المسلمين، ومن بعدهم القساوسة المسيحيين و أخيراً أحبار اليهود، وكان المسيحيون فى أعيادهم يستعيرون الشمعدانات و البُسُط من المساجد والعكس صحيح فى أعياد المسلمين. لقد ظلت مصر مكاناً تتجمع وتتقارب فيه الديانات بلا تطرف مجنون وخطاب إقصائى مشبّع برائحة خليجية صحراوية.

دعونا نتكلم بصراحة و لو لمرة واحدة فقط علّنا نقتلع السرطان الذى عشش و إنقسمت خلاياه بسرعة جنونية فى عقولنا وقلوبنا. لا أحد يستطع إنكار أن الدين فى مصر وراثى، بمعنى أنك ولدت مسلم لأنه تصادف أن أبويك مسلمين، أو أنك ولدت مسيحياً لأنه ببساطة شديدة والديك مسيحيين، وليس لدينا هنا حرية إختيار الدين أو تغييره كأوروبا وأمريكا رغم أن الإسلام يمنح الإنسان حريته الكامله ويعطيه هذا الحق (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ومن ثم سوف يحاسبه على إختياراته، وإلا فما معنى أن الله هو الحق والعدل؟ فكون أى فصيل يتخيل أنه أفضل من غيره، فعليه أن يعلم أنه لا يمتلك أى فضل، وهو مخطىء لأن الله وحده هو الذى سوف يحاسبنا جميعاً، وهو وحده المطلع على القلوب و الأفعال فى السراء والضراء، وهو الذى سوف يرحم من يشاء و يعاقب من يشاء، وعلى الفصيل الذى يتخيل أنه ضمن شعب الله المختار أن يعلم أنه بذلك يشارك الله فى إحدى صفاته، ويتقوّل بما لا يعلم. فمثال العاهرة التى دخلت الجنة بسبب كلب أسقته ماءاً، ومثال الرجل المعتكف فى المسجد والمنقطع للصلاة والتعبد، وأخيه الذى يعمل و ينفق عليه و كانت مكانته عند الله أفضل منه، أكبر دليل على أن الله لا يأخذ بالمظاهر التى لا نحكم سوى بها نحن البشر، و لكن بالمعاملة الإنسانية و إعلاء قيمة العمل، إلى آخره من القيم العالية التى هى روح الإسلام الحق.

لماذا يعيب المسلم ويستنكر ويبغض اليهودى الذي تحض ديانته على سفك دماء “الأغيار” ، بمعنى كل من يعتنق أى دين مخالف لليهودية، و إعتبارهم أقل منزلة من اليهودى الذى ميزه الله دوناً عن غيره، بل أنه يساويهم بالحيوانات، وهو ينهج نفس النهج مع أخيه المسيحى؟!

يقولون أن كنيسة الماريناب ما هى سوى مضيفة، وأنا أقول أن هناك آلاف الزوايا التى تقام أسفل العمارات السكنية وتسمى مساجد، السواد الأعظم منها ليس خالصاً لوجه الله، وإنما هرباً من ضريبة العوائد.
يقولون أن بناء الكنائس تؤذى مشاعر المسلمين وأنه فى حالة الموافقة على بنائها يجب مراعاة عددها مقارنة بالكثافة السكانية ونسبتها فى المنطقة التى يتم البناء فيها، وأنا أقول أن بناء مليون كنيسة لا يهدد كيان الدين الإسلامى القوى العظيم، ولا يزعزع قيد أنمله إيمان مؤمن قوى مستمسك بدينه.

إن عدد الكنائس التى تم حرقها أو هدمها على مدار سبعة أشهر رقماً غير مسبوقاً، رغم معرفة السلطة بالجناة (كنيسة أطفيح على سبيل المثال تم هدمها فى أربع ساعات كاملة وتم تصوير الجناة)، فبتنا ننام ونصحو كل فترة قصيرة على حادثة من هذا النوع، يقابلها تقاعس عمدى من السلطة ! والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة ماذا أنت فاعل أيها المسلم لو كان ما يتم هدمه بكل كد و دأب وتعمد مسجداً ؟ بل ماذا يكون شعورك حيال سلطة من هذا النوع، لا تطبق القانون وتتبنى بعنف مبدأ التمييز ؟

ضع نفسك أيها المسلم العاقل الرشيد مكان شخص يُصفع يومياً من أحدهم، وبدلاً من أن يتخذ ردة فعل عنيفة مقابل ما يواجهه، يظل متحاملاً على نفسه، متحملاً الإهانة مراراً وتكراراً عسى المهاجم أن يرتدع، لكن بلا جدوى، وفجأة ينفذ مخزون الصبر والجَلَد لديه ويقرر أن يتمرد بالصراخ .. فقط الصراخ .. أن يجرؤ لأول مرة على أن يقول آآآآآآآه. فما مدى جرمه فى رأيك؟ إن المشكلة الحقيقية أننا لم نعتد من المسيحى الصراخ، فقابلنا شكواه المشروعة بالإستنكار والترويع و ربما القتل.

شاهد عيان أتى بالأمس (10 اكتوبر) فى برنامج يسرى فودة “آخر كلام” على قناة “أون تى فى” قال أنه شاهد جثة مشجوجة الرأس بسيف، وقبلها رأى بأم عينيه حشود من المواطنين أتت من بولاق أبو العلا حاملين السنج والسيوف فى طريقهم للإعتداء على المسيحيين المتظاهرين، و يؤكد أن إصابة هذه الجثة لا بد أنها إصابة أتت من أحدهم وليس من الشرطة أو الجيش!  إن المسلم الذى تخيل أنه يهُب لنصرة الإسلام والدفاع عن الجيش كما أوهمه الإعلام المضلل المحرض على الفتنة، والذى قتل مسيحياً متظاهراً لا يفعل شيئاً سوى المطالبة بحقه المشروع، لا يعلم أنه ربما قتل أخيه الذى تربطه به صلة الدم ! فحينما دخل الإسلام مصر، تحول أفراد من العائلة الواحدة إلى الإسلام، فى حين ظل البعض الآخر من نفس العائلة على دينه، وعلى سبيل المثال وليس الحصر أذكرعائلة “قللينى”.

لقد كان للمسلم فى رسول الله أسوة حسنة، وقد كان يعامل اليهودى، ولا أقل المسيحى، بسمو أخلاق ونبل نفس، وذلك من خلال حكايته الشهيرة مع جاره اليهودى الذى كان يلقى بقمامته يومياً أمام بيت رسول الله ولم يبادله الرسول الإساءة، وفجأة إنقطع الرجل عن هذه الفعلة، فتعجب الرسول وقرر زيارته، فوجده مريضاً، فاطمئن على حاله ولاطفه بالكلام !

الأديان كلها في الأصل دين ربَّاني واحد قائم على العقيدة والشريعة والأخلاق، وهدف الدِّين في أساسه هو إعطاء الإنسان المنهاج القويم يتخذه لنفسه ليسعد في دنياه وآخرته، لذا تبدَّلت الأشكال في قوالب الشرائع، وتوحَّد المضمون، قال تعالى في كتابه العزيز: [شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] (سورة الشورى – الآية 13).

وعقيدة المسلمين هى الإيمان بأنبياء الله جميعا، وبالكتب المنزَّلة عليهم، قال تعالى في كتابه العزيز: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ](سورة البقرة – آية 285).

والدستور الذي شرعه الله للمسلم في القرآن الكريم في كيفية التعامل مع معتنقي الديانات الأخرى هو الدستور العدل، إذ يأمره بحسن معاملتهم ، قال تعالى: [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (سورة الممتحنة – آية 9).

ومما تقدم يتضح لنا بجلاء إلى أي مدى يعتبر التسامح الدينى من العناصر الأساسية في تعاليم الإسلام. ومن هنا فإن التزام المسلمين بذلك وحمايتهم لحقوق الانسان والجماعات المتنوعة وأتباع الديانات الأخرى الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية أمر يدخل في إطار التزاماتهم الدينية التي تقضي بالحفاظ والدفاع عن الحقوق الإنسانية العامة للجميع.

الإسلام دين عالمي يتَّجه برسالته إلى البشرية كلها، تلك الرسالة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وترسي دعائم السلام في الأرض، وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتفاهم بين كل الناس، بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم، فالجميع ينحدرون من “نفس واحدة”، ووطننا اليوم في أشد الحاجة إلى التفاهم الفعال والتعايش السلمى بين الناس أكثر من أي وقت مضى والإتحاد أمام الجحافل الغاشمة من الفلول بما تملكه من مال ونفوذ وبلطجية ترعرعوا فى كنف أمن الدولة وتم إطلاق سراحهم من السجون، إندسوا ليفسدوا وقفة المسيحيين السلمية كما أفسدوا مليونية 9 سبتمبر، ليكره المواطنون الثورة التى أشاعت الفوضى. هم يوجهون طعنات مميتة فى قلب الوطن المجروح أصلاً، ولم يكفهم ما فعلوه طيلة 30 عاماً من نهب وتنكيل وبطش وتجويع.

تذكر مشهد المسيحييين حينما كانوا يسكبون الماء ليتوضأ المسلمون فى ميدان التحرير فى ربيع ثورة يناير، و حماية ظهورهم لحين إنتهائهم من الصلاة، تذكر ضابط الجيش المسيحى (ماجد بولس) الذى كان يدافع عن الثوار ضد البلطجية أيضاً فى بداية الثورة. فلنتذكر جميعاً الثمانية عشر يوماً الأولى للثورة وتجلياتها التى أظهرت المعدن الحقيقى للشعب المصرى المتحضر فى تجمُع جميع الفصائل والطبقات الإجتماعية على إختلاف إتجاهاتها الفكرية والسياسية والعقائدية، كنا نسيجاً واحداً متيناً أصيلاً، كنا نحن المصريون الحقيقيون .. كانت مصر الحضارة التى رحبت واستقبلت واستوعبت كل الأجناس والديانات قبولاً حسناً، و ما دون ذلك من أهوال ومصائب حدثت بعد تاريخ 11 فبراير وحتى الآن دخيلة و مقصودة ممن يريدون حرق هذا الوطن بدم بارد.

الدين لله و الوطن للجميع.

بعد نهاية البروفة التحضيرية .. الثورة الحقيقية قادمة



رضوى الأسود
البديل
13/9/2011


كلما أصدر المجلس العسكرى قراراً أو نهج نهجاً، أتأكد أكثر فأكثر من إقتراب موعد الثورة المصرية!

ما حدث منذ 25 يناير و حتى الآن لا يعدو كونه بروفة تحضيرية لما سيحدث، وهى بالطبع لا ترقى لا على المستوى التنظيمى أو الدموى لما سيكون بالفعل، وهو ليس بعيداً بالمناسبة.

كانت البداية بالإستفتاء الدستورى المشبوه يوم 19 مارس، أو بمعنى أصح هو تاريخ لن ينساه التاريخ، فهو بداية شق صف الشعب الذى كان حتى ذلك الوقت كتلة واحدة تجمعت على نفس المبدأ و نفس الهدف، وكان من أروع  نتائجه بروز الحدود الفاصلة والمميتة بين كتلة السلفيين و الإخوان من جهة و كتلة الليبراليين واليساريين و العلمانيين من جهة أخرى، وكانت نبرة التخوين بين الفصيلين هى الأعلى و الأوضح، بل الوحيدة، ثم حدثت الإنشقاقات والتكتلات ولعبة الكراسى الموسيقية، فإتحد السلفيين مع الإخوان، ثم إتحد الوفد مع الإخوان، ثم إنقلب الإخوان على السلفيين (وإن لم يتخذ هذا الإنقلاب شكل تجريحى وتخوينى كما حدث بين الكتلتين السابقتين) حينما تبينوا عددهم الهائل فى مليونية 29 يوليو، وهو بالمناسبة عدد زائف اذا وضعنا في الاعتبار أن معظمهم من الفلاحين و المهمشين الذين حشدوا بسيارات النقل من أماكنهم وحتى ميدان التحرير (نفس أسلوب الإخوان و تحديداً فى الإستفتاء الدستورى).

لا يمكن أن نغفل أبداً هذا اليوم الذى بدا و كأنه عرس للديمقراطية، وهو لم يكن سوى فخ نُسج ببراعة و و ذكاء شديدين و ورطة للشعب بأكمله، فقد كان بداية نغمة أن “نعم  للإستقرار ونصرة الدين” و “لا للفجور والإنحلال وتعطيل عجلة الإنتاج و إلغاء للمادة الثانية من الدستور” و أنا هنا تحديداً لا أعلم على أى أساس كان هذا التصنيف؟! ثم أتبعها خلافات عميقة بين أنصار “الدستور أولاً” و أنصار “وما الحكم إلا لله” و “حرمانية الديمقراطية”، و إرتفعت نبرة وشوكة و ثقة المتأسلمين الذين كان من آخر صيحاتهم حرمانية محاكمة مبارك كما أفتى الجهبذ السلفى “محمود عامر”، و حتى تخيل الكثيرون أنهم الأغلبية الساحقة.

ثم حدث التسويف و المماطلة فى القبض على رموز النظام، وعندما تم القبض عليهم، كان التسويف فى المحاكمات، و تأجلت قضية مبارك بخصوص قتل المتظاهرين من شهر يونيو و حتى أغسطس دون أن نفهم لمصلحة من بالضبط كل هذا التسويف بعد ثورة عظيمة كهذه ومطالبات لا تكل بسرعة المحاكمات و القصاص ممن دمروا و نهبوا مصر، خاصة أن هذه القضية جزء يسيرمن مطالب الثورة، فجرائمه أكبر من هذا بكثير، فقد دأب على قتل شعب بأكمله على مدار ثلاثين عاما؟!

جاءت المحاكمات علنية بناء على طلب الشعب و تصديقاً للشفافية طبقاً للمبادىء الثورية و مستجدات المرحلة، وبالفعل تم بث حوالى ثلاث جلسات بدت فيها الكثير من الأخطاء مثل تجول علاء مبارك بحرية تامة خارج قاعة المحكمة، وعدم وجود قيد حول معصميه، ومنعه لأحد المصورين من تصوير أبيه، و إرتداء المخلوع بزة زرقاء اللون، و خبر دخول المخلوع غرفة المداولة ليس هذا وفقط ولكن أيضاً على قدميه، ثم إستلقائه على السرير الطبى قبيل دخوله قاعة المحكمة لزوم التمثيل و الإستعطاف (لم يُكذب المجلس العسكرى هذا الخبر حينما أعلنه بكل ثقة المحامى منتصر الزيات فى برنامج “هنا العاصمة” مع لميس الحديدى على قناة سى بى سى)، و علامات الثقة و السعادة البادية على أوجه المتهمين، ومصافحة مرؤسى حبيب العادلى له بكل إجلال وإحترام، وعلامة النصر التى أشار بها جمال مبارك لمؤيديه من قفص الإتهام، والسماح بدخول عدد ليس بالقليل من تلك الفئة المؤيدة حاملين صور المخلوع والمرفوعة فوق أعمدة خشبية تهتف باسمه داخل قاعة المحكمة فى حين تم منع الكثير من أسر الشهداء والمدعين بالحق المدنى من دخول القاعة، وإعتقال عدد من أسر الشهداء فى حين غض البصر عن مثيرى الشغب والعنف من مؤيديى السفاح!

كل ما سبق كانت مؤشرات لا يستهان بها للإستدلال و الوصول لنتائج خطيرة أهمها فقدان الشعب لمصداقية المحاكمات و مدى جدواها، ثم يأتى قرار منع البث، و من بعده جعل الجلسات سرية و منع حضور الصحفيين وبالتالى إلتقاط الصور ليؤكد ويرسخ ما يخشاه الشعب.

وتأتى جمعة 9 سبتمبر التى لم ينتفض فيها فقط ميدان التحرير، ولكنها كانت تظاهرة كبرى بحق إنطلقت من كل ربوع مصر، أتت سلمية رغم سخونتها، ذكرتنا جميعاً بربيع أيام الثورة، التى أذهلت العالم وألهمته، و تحديداً منذ 25 يناير وحتى 11 فبراير، كان اليوم جميلاً ومبشراً وناجحاً بعد ظهور الحجم الحقيقى للمتأسلمين بعد إحجامهم عن المشاركة بحجج واهية  (قناة الجزيرة مباشر مصرالوحيدة التى كانت تبث التظاهرة لحظة بلحظة فى حين تجاهل الإعلام المصرى -كالعادة- هذا الحدث، و قد تم إغلاقها تارة بحجة أنها تزعج السكان وتارة بحجة أنها بدون ترخيص بعد أن أوقفت مصر منح التراخيص منذ فترة). ولكن كان نجاح المليونية إستفزازاً لأصحاب المصالح التى أتت الثورة لتقضى على مصالحهم، بل وجودهم.

كان خط سير الثوار معروفاً للجميع وليس سرياً، فقد كان معلناً قبلها على شبكات التواصل الإجتماعى من فيسبوك و تويتر، و بدأت مسيرتان فى الخامسة مساء، واحدة بإتجاه المجلس الأعلى للقضاء لمساندة القضاة فى المطالبة بإستقلال القضاء، والثانية لهدم السور الإستفزازى الذى يحيط بالسفارة الإسرائيلية، ولكن إنقلب اليوم رأساً على عقب بعد أن تحوله لتراشقات و مواجهات بالمولوتوف  و الحجارة مع الأمن والشرطة بعد تحرشات عناصر مندسة بمديرية الأمن، و كذلك رد الشرطة العنيف على المتظاهرين مما أدى لحصيلة 5 قتلى و 1049 مصاب. بالمناسبة لم يسأل أحد عن العنف المفرط الذى انتهجه الأمن مع المتظاهرين، و تحطيم عساكر الأمن المركزى للرصيف المقابل لمديرية الأمن ليقذفوا به المتظاهرين مما أدى لرد فعل عنيف من الجهة الأخرى!

هدم السور الذى إستغرق قرابة أربع ساعات، و دخول المبنى و إقتحام السفارة كان تحت سمع وبصر ومباركة المجلس العسكرى والشرطة اللذان لم يحركا ساكناً. وهنا يأتى السؤال المُلح أين كنتم حينما كان ما يتم عمله “إنتهاكاً لإتفاقية جينيف و توريطاً لمصر و جعلها تبدو بمظهرمتخاذل و فاقداً للسيطرة”؟ أم أنه كان فخاً منصوباً سوف يتبعه تحقيقاً لمصالح أطراف عدة، وأن ما يحدث هو فصلاً آخر من كتاب سرى لا نعلم عنه شيئاً كما أتى على لسان الناشط الحقوقى “ناصر أمين”؟؟ وأن ما يدور فى الكواليس أكبر بكثير مما نراه و نعلمه.

لقد تجمعت فى ذلك اليوم مصالح كل القوى السابقة عدا الثورة و الثوار، والشعب الذى لا يُعمل عقله، و بتحليل بسيط ، نستطيع تبين أن ما حدث كان يصب مباشرة فى مصلحة إسرائيل التى ستتخذها ورقة ضغط  لتعطيل أو على الأرجح إلغاء المطالبات المصرية بضرورة تعديل إتفاقية كامب ديفيد، وبخاصة زيادة أعداد القوات المتواجدة على الحدود، فتصبح سيناء عارية و مخترقة كما أرادوا دوماً، و يصب فى مصلحة الفلول وبقايا النظام  التى تعمل بضراوة على تكريس كراهية الشعب للثورة و الثوار، وبالتالى رجوعهم لسُدة الحكم و تأمين مصالحهم، وأخيراً يصب فى مصلحة المجلس العسكرى لأن الناس سوف تتمسك بحكمه الذى كان مقرراً أن تنتهى مدته هذا الشهر، بجانب أن التحرير والتظاهرات سوف تصبح تاريخاً من الماضى ومستهجنة من الشعب الذى كره الثورة، وفى أول رد فعل أو بمعنى أصح ضربة لإرساء قواعد حكمه، تم تفعيل قانون الطوارىء الذى حكم البلاد بالحديد والنار ثلاثون عاماً وتوحشت به ومعه الداخلية، حتى بات فى كل بيت فى مصر ثأراً ضد أحد رجال الشرطة ممن أوقَف أو تعقَب أوعامل ظلماً وعدواناً وتعنتاً أحدنا لا لشىء سوى لفرض سيطرته و علاج عقده، و الذى أقر مؤخراً تمهيداً لإستخدامة ضد الثوار و ضرب الثورة فى مقتل، ذلك القانون الجائر الذى كان معطلاً تمهيداً لإلغاءه و تم تفعيله مؤخراً بحجة تطهير البلاد من البلطجية، لنعود ثانية من حيث بدأنا .. فما قامت الثورة من أجله ذهب أدراج سياسة المجلس العسكرى!

يجب على الجميع و أولهم القائمين على البلاد معرفة أن ما يحدث من تفريغ الثورة من محتواها و الإلتفاف حولها و تَعَمُد قتلها لن يمر بسهولة، و أنه إذا كان هناك قطاعاً كبيراً من الشعب مضحوكاً عليه بسبب تغييبه عن عمد مدة ثلاثين عاماً، أو جاهلاً بسبب تفشى الأمية فى عهد مبارك اللعين، فهناك أيضاً من العقلاء و الوطنيون الكثير، وأن الثورة الحقيقية قادمة لا محالة لكنها للأسف بفضلكم سوف تكون دموية و سوف تأتى على الأخضر واليابس، فقليلاً من العقل و إستيعاب دروس التاريخ قبل أن تُحاكموا بيد الشعب الذى خرج من قمقمه ولن يرجع لنقطة الصفر.

أكان يجب ان تكون ثورتنا دموية !


رضوى الأسود
البديل
6/7/2011


“الشهداء ولاد الكلب”

قالها زميلى فى العمل بثقة وإصرار، ولم أشعر بنفسى إلا وأنا أصرخ فى وجهه كالمجنونة والدموع تجرى فوق وجنتى :”كيف تقول ذلك”؟

هذا الزميل غيره كثيرون، وهذا هو ما نجحت بجدارة فى صنعه السلطة التى تحكم البلاد حالياً حتى لو حكماً صورياً كما يتضح لنا من النصوص الخاصة بالفترة الإنتقالية، وحكومة غير مؤهلة سوى لإعاقة الأعمال مما أدى للصور المؤلمة التى نراها الآن من إنتفاء أمن المواطن العادى الذى يفكر ألف مرة قبل أن يخرج من بيته، كى لا يكون عرضة للترويع والسرقة والقتل.

حينما خلعت ثورة الشعب المصرى الطاغية مبارك يوم 11 فبراير، نزلت جموع الشعب ترقص فى كل مكان من ربوع المحروسة، من شارك فى الثورة ومن لم يشارك، فكلنا قد طالنا الظلم طوال فترة ثلاثين عاماً. كانت الفرحة عارمة. وكان هذا الزميل ضمن بقية الشعب فرحاً متهللاً بهذه النهاية التى تليق بالخائن وبتاريخه المشين. لكن ما حدث بعد ذلك من تطور وتبدل تام فى موقف قطاع كبير من الشعب المصرى هو المثير والمحزن.

منذ فبراير الماضى وحتى اللحظة الآنية يعيش المصريون وهم كبير اسمه المحاكمات والقصاص من القتلة والفاسدين، لكن يتضح لنا أن أمين شرطة الهارب هو المتهم الوحيد والحقيقى فى تهمة قتل المتظاهرين!! وأن وزير المالية الهارب غالى هو الوحيد الذى حكم عليه بأكثر من ثلاثين عاماً من السجن!! ويتم تأجيل محاكمة مبارك وأولاده إلى أغسطس بلا أى مبرر سوى التسويف والممطالة حتى يأتى الله أمراً كان مفعولاً، وحتى تحل أجازة القضاء، وبالتالى تؤجل مرة أخرى وليست أخيرة إلى أجل معلوم عند الله وحده؟ فيتضح لنا يوماً بعد يوم أن النظام لا زال قائماً بنفس العقول والآليات، بتقديم كباش الفداء وتبريد للقضايا الساخنة.

نعم ما يحدث الآن هو تبريد بل قتل للثورة المصرية.
فى الثورة الفرنسية – واعذرونى إن استشهدت بها فى أغلب المرات نظراً لأنها نموذج مثالي للثورات الكبري فى التاريخ الإنسانى – التى استمرت من 1789 إلى 1799 ، تم  إعدام 16594 من النظام السابق بآلة المقصلة، وإنهاء النظام القديم الملكى، وإعلان

أول جمهورية، وإنهاء جميع الإمتيازات، وإقرار حقوق الإنسان والمواطن، وتساوى جميع المواطنين أمام القانون والحريات الأساسية. وفى الثورة البلشفية سنة 1917 والتى أعدمت القيصر وعائلته، تم اقرار مجلس مفوضي الشعب كأساس للحكومة الجديدة، وصودرت الحسابات المصرفية الخاصة، وأسس لينين لجانا استثنائية من شأنها مكافحة الثورة المضادة.

من يقوم بثورة ناجحة هو من يحكم، وهذا من طبيعة الأمور، فلم نر ثورة فى أى بلد لم يحكم فيها من قاموا بها، وهذا ما يجعلنى أتسائل حول مدى نجاح ثورة 25 يناير من عدمها!

أنا هنا لا أدافع ولا أشجع الإتجاهات الدموية، ولكن كان يجب أن يكون هناك حراكاً وضغطاً شعبياً متواصلاً للإسراع فى المحاكمات وإقرار دستور جديد يضمن الحفاظ على مكتسبات الثورة وعدم الإلتفاف حولها أو إقتناصها كما يحدث الآن من الإتجاهين الإخوانى والسلفى وقبلهما الحزبى، كان يجب الإتحاد والإتفاق على ممثل (أو أكثر) يتكلم باسم الثورة ويحدد مطالب واضحة لا تحتمل اللبس. فأنت لا تستطع أن تبنى بناءاً راسخاً والأساس متهاوى ينخره السوس، وهذا ما حدث راداً بالضبط فى حالتنا، فقد تخيلنا أننا سنبنى مصر جديدة، وكيف يستقيم ذلك ولا تزال أفراداً فاسدة ليست بالقليلة فى سُدة الحكم وإتخاذ القرار؟؟!! كيف لم تُحاسب؟ كيف لم يتم ببساطة إستبعادها وهذا أضعف الإيمان! كيف يتم ترقية أو تعيين أشخاص تحت مستوى الشبهات وموالون للنظام القديم فى مناصب رفيعة وتتحدى بهم السلطة إرادة ورغبة الشعب تماماً كما كان النظام القديم يفعل طوال الوقت؟ كيف لا زال رؤساء تحرير صحفاً قومية كانوا يمتهنون مهنة مهرجو البلاط، يمارسون عملهم إلى الآن؟

هل حينما قرر ثوار التحرير التحرك بإتجاه قصر العروبة قبل 11 فبراير ليخلعوا مبارك بالقوة، ووقتها كان الغالبية ضد القرار خوفاً على حياة الثوار من الحرس الجمهورى الذى لا يدين بالولاء سوى لمبارك ولتأمين حياته، كان ضرورة حتمية، حتى لو كان الثمن المدفوع هو المزيد والمزيد من الشهداء؟ هل كان يجب ألا نتهاون ومنذ أول يوم مع ممارسات وإنتهاكات وسياسات السلطة حينما ماطلت فى القبض على رؤوس النظام؟ وحينما كان هناك بلاغات عن نقود وسبائك ذهبية يتم تهريبها خارج البلاد ولم تحرك ساكناً؟ وحينما أعطت الفرصة كاملة لمبارك وعائلته وبقايا النظام ليجمعوا ما يمكن جمعه وإخفاءه فى حسابات لا يمكن تتبعها؟ وحينما منحت مهلة شهرين لزكريا عزمى ليمارس مهامة المعتادة بكامل حريته فى قصر الرئاسة ليخفى ويتلف من المستندات ما يدين النظام بأكمله؟ وحينما تم الكشف عن عذرية فتيات التحرير وإنتهاك آدميتهم بتهمة أنهن عاهرات … ألف هل وهل، فهل من مجيب ؟!!!!

إن أنصاف الثورات مقابر الشعوب، وأخشى أن نكون قد جررنا جراً لقبورنا بعد أن أُحيينا من العدم.

حينما يتحول الشهداء بقدرة زبانية النظام القديم إلى “ولاد كلب” والثوار إلى بلطجية، والنظام القديم إلى نظام كانت مصر تعيش فيه آمنة مستقرة، ورموزه إلى “ناس كويسة .. عملوا ايه يعنى؟”، هنا يجب أن نتوقف وننتبه إلى الكارثة التى أوصلنا إليها النظام القديم والتى وصلنا إليها بأنفسنا بقبوعنا فى مقاعد المتفرجين بعد أن تخيلنا أننا قد “عملنا اللى علينا”، فالثورة لم تكتمل بعد، ومازال رغم كل الغيوم والعتمة هناك بصيص من آمال كبرى، فالأمر فى أيدينا نحن الشعب الذى تجمع يوماً على هدف واحد هو حب هذا البلد.

لميس جابر وحفيد مبارك !



رضوى الأسود
البديل
2/7/2011

أفهم أن يخالف ويختلف الإنسان فى رأيه فى موضوع ما، ولكن أن يشوه عن عمد إنجاز تاريخى وأن ينبرى للدفاع عن رأيه محطماً كل الأعراف والآراء بل والحقائق المُجمع عليها .. فهذا الأمر أراه غريباً وممجوجاً بل وربما يكمن ورائه غرض ليس بالضرورة خالصاً لوجه الحق والحقيقة.

أكاد أجزم أن هناك الكثيرين غيرى يكنون كل الإحترام والتقدير للكاتبة “لميس جابر”، لكن حلقتها فى “يا مسهرنى” على دريم تو مع المذيعة “إنجى على” التى لا تصلح سوى لبرامج الأطفال .. هذا إن صلحت من الأساس كمذيعة! وبقدرة قادر تحول برنامج المنوعات إلى برنامج سياسى فج .. تظل تتساءل طوال فترة مشاهدتك له: من وراءه؟

إنبرتا الإثنتان فى الدفاع بشكل مستميت وغامض عن النظام القديم، كانتا تبكيان على مصير حفيد الرئيس المخلوع الذى خسر سنة دراسية من عمره، – بالمناسبة كلاهما المذيعة والضيفة لم تكلفا نفسهما عناء التحري وراء الخبر لتعرفا أنه ليس حقيقيا بل ان وزارة التربية والتعليم نفسها قامت بنفي الخبر وقتها- غاضين الطرف عن الشهداء الذين قتلوا بيد قناصة وجهوا رصاصاتهم الآثمة مباشرة إلى قلوب ورؤوس أناس لم يرتكبوا من ذنوب سوى التعبير عن آرائهم، بل أن منهم أطفال ومراهقون كاونوا يشاهدون أحداث موقعة الجمل من شرفات المنازل لا أكثر ولا أقل، و آخرون ممن فقدوا البصر نهائياً بعد أن كانت عيونهم هدفاً لقناصة من نوع آخر صدرت لهم أوامر بفقأ العيون وفقط، تكلمت لميس عن الحرية التى كانت تنعم بها ككاتبة فى ظل النظام الجائر والآن مدى تخوفها من الكتابة فى بعد “أحداث يناير” ، نعم كانت تقول “بعد اللى حصل” فى إشارة واضحة لتسفيه أعظم ثورة شعبية، فإذا كان هذا منظورها، فلا غرابة أن تستهزىء وتقلل بل تمحو هذه الثورة من الأساس.

إنبرت فى الدفاع عمن تم سجنهم بتهم مالية، وخرجوا سالمين، متسائلة :”ألسنا مدينين لهم بإعتذار؟” وكانت تتكلم تحديداً عن مفيد شهاب. وأنا هنا أوجه لها سؤالاً، كم تساوى جرائمه المالية مقابل إفساده للحياة السياسية فى مصر؟ مقابل تفصيل قوانين كانت تصدر ليلاً ليتم التصديق عليها صباحاً بالإجماع فى مجلس الشعب المشبوه؟ ترى ماذا يساوى فى رأيها وهى التى تتكلم وتتنفس سياسة ثمن تزوير إرادة شعب؟ إنه وأمثاله يحملون بجدارة تهمة البِغاء السياسى وخيانة المصلحة العليا للشعب الذين حلفوا اليمين للعمل من أجله والحكم باسمه.
يقولون أن “مصر فوق الجميع” وأنا هنا أتسائل ماذا تعنى مصر هنا سوى الشعب؟! فهل تفهم سيادتها أن مصر هى النيل والمبانى والطرقات؟ أم الطبقة الحاكمة والبطانة الفاسدة؟ ربما هى الأولى أو الثانية “الغير فاسدة” من وجهة نظرها، وفى الحالتين تغفل المعنى الحقيقى للكلمة، وهى “الشعب” ولا شىء آخر. إنه الشعب الذى ظل مقهوراً خائفاً جائعاً محروماً من أدنى مقومات الحياة الكريمة فى ظل وزراء مليارديرات كانوا يرون أن ستمائة جنيهاً أكثر من كافية لقيام أود أسرة مكونة من أربعة أفراد ليأكلوا ويشربوا ويدرسوا ويعالجوا بها !!!!

رأت أن من جلسوا فى بيوتهم -وكانت من ضمنهم- ربما يكونون أكثر وطنية ممن نزلوا التحرير معرضين أرواحهم للقتل! وأنا هنا لا أزايد على وطنية أحد، لكن من المنطق والعدل ألا نستهين بما فعله من أقام ثمانية عشر يوماً كاملة يدافع عن إرادة الشعب، ويحرس الثوار العُزّل ضد مغول موقعة الجمل، بالأطباء الذين أنشأوا مستشفى ميدانى يستقبلون ثواراً يذهبون إليهم مجروحون ثلاث مرات فى اليوم، فى كل مرة يتم تضميدهم ليذهبوا ثانية لإستكمال مهمتهم الوطنية وربما يعود بعضهم فى آخر مرة جثة هامدة بعد أن ينال الشهادة، بأناس لم يكونوا يهتمون أو حتى يعرفون معنى السياسة، وأصبحوا بعد زيارة أو زيارتين للميدان من أكبر السياسيين بعد أن إختلفت حياتهم وأولوياتهم مائة وثمانون درجة عما كانت عليه.

كان ينبغى أن أفهم أن من صورت الملك فاروق فى مسلسلها الذى حمل نفس الاسم ملاكاً بلا أية خطيئة – وأنا بالمناسبة أحبه وأحترمه وأجد أنه ظلم ظلماً بيناً، خاصة حين مقارنته بالمخلوع وحرصه على مصر والمصريين أكثر منه وإيثاره للخروج منها بحقيبة ملابسه وبدون إراقة نقطة دماء واحدة وهو الألبانى وليس المصرى الذى نهب قصر ومتاحف عابدين عن آخرها والتى كانت تضم مقتنيات الأسرة العلوية – قادرة على خلق أكثر من ملاك بلا أية بينة، فقد إنبرت فى الدفاع عن فاروق، والسادات، وبالطبع الرئيس الخائن مبارك، والوحيد الذى أفلت من هذا التصنيف النورانى كان عبد الناصر، الذى حينما تكلمت عن هزيمة 1967 ، نستطيع أن نجده بسهولة فى خانة الشيطان، فهى تصنف الرؤساء فى خانتين لا ثالث لهما إما أبيض وإما أسود، مبتعدة فراسخاً عن النقد الحيادى والعلمى.

إستنكرت الكاتبة محو اسم مبارك من أى مشروع أو كوبرى أو مبنى، وقالت كيف نرفع اسمه من محطة مترو الأنفاق وهو الذى أنشأه؟! متناسيه أن ما حدث يوم 25 يناير هو ثورة شعبية حقيقة وأن ما يحدث بعدها يسمى شرعية ثورية تمنح للثوار الحق فى محو كل رموز الطغيان والخيانة إن أرادوا، وأن الخديوى سعيد على سبيل المثال على الرغم من أنه هو من أمر بحفر القناة، لم تسمى باسمه، لأن التاريخ لم ينس للآن وحتى قيام الساعة أنه هو من منح حق إنتفاع لمدة 99 عاماً للفرنسيين لإستغلال موارد القناة التى حفرها آلاف المصريون بالسخرة والدم. ولى هنا أيضاً سؤال آخر، هل معنى أن عبد الناصر الذى أنشأ القطاع العام أن تسمى كل المصانع باسمه (وهذا ما كان يحدث أيام المخلوع مبارك)؟ وهل الرئيس الذى ينشىء شيئاً ما – وهو وضع طبيعى وليس تفضلاً منه على الشعب- أنه ينشىء هذا المصنع أو تلك المؤسسة فى عزبة السيد الوالد، فيصبح من حقة ختمه بخاتمه ؟!
إن كانت سيادتها تأسف لحال مصر الآن وترى أن الثورة جاءت بالدمار والخراب وتقييد الحريات، فيبدو أنها لم تقرأ التاريخ جيداً لتعرف أن الثورة الفرنسية -على سبيل المثال وليس الحصر- استمرت عشرة أعوام مرت فيها بثلاث مراحل، وأن فرنسا لم تصبح القوى العظمى التى نراها الآن بعد ثورتها مباشرة، بل بعد سنوات طوال، وأنها مرت بجمهوريتين حتى تصل إلى ما هى عليه حالياً. نحن فى مرحلة إنتقالية صعبة ومريرة لكن لا بد منها كى تعتدل رمانة الميزان، وهذا هو الثمن ويستوجب دفعه إن أردنا مجتمع أفضل، ولم نسمع عن ثمن مجانى لتقدم الشعوب والحريات.

وبما أن الصدور حينما تمتلىء عن آخرها، وحتى إذا فعل أحدنا المستحيل لوئد ما تعج به، فإنها عادة لا تفلح فى طمس وطمر الخبيئة طويلاً، وها هى تسبقنا فى إتهام نفسها قبل أن نتهمها، بأنه يتم مهاجمتها وتخويفها وتخوينها، مشيرة إلى القائمة السوداء التى ضمت فنانين كثيرين. بل أننا نكاد نصل إلى لب الموضوع الذى حيرنى أنا شخصياً كمشاهدة طوال البرنامج، حينما منحت للإخوان حق الحكم – وهى ضدهم بالطبع-  إن هم سددوا كل ديون التليفزيون، متناسية -عن عمد بالطبع- أن جزء كبير من هذه الديون هو الأجور الفلكية والتى كانت تصل إلى ثمانية مليون جنيه للممثل الواحد فى أى مسلسل وكان أولهم زوجها الممثل القدير “يحى الفخرانى” الذى إعتاد وإعتادت معه على أن يطل علينا كل عام فى عادة كانت تتمنى “إن ربنا ما يقطعها” على الشاشة الصغيرة فى مهرجان وسباق رمضان للدراما الزاعقة. ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، وتكون من تبعات الثورة أن تٌقطع العادة هذه السنة كما تم من قبلها إلغاء معرض الكتاب وبعض المهرجانات الأخرى توفيراً للنفقات وإعتباراً لمجريات الأحداث، أى أن هذا من المفترض أنه وضع طارىء مراعاة للظروف الحالية، لكن ربما من تعود على شىء لا يستطع التخلى عنه بسهولة !!

كم كنت أتمنى أن تظل الأستاذة لميس فى عيونى وعيون آخرين كما كانت دوماً، كاتبة مستقلة حيادية عادلة، من نسيج الشعب المظلوم الذى عانى طويلاً، كم كنت أتمنى أن استمع لحوار جرىء عقلانى لا يستخف بإرادة شعب ثار من أجل الكرامة والحرية، حتى الفرد البسيط منه والذى لم يحصل على أى قسط من التعليم، وحتى الذى لم ينزل إلى ميدان التحرير أو أية ميادين أخرى، وهم كُثُر ولهم كل الإحترام، كان على يقين من أن مبارك وحاشيته كانوا أكبر تشكيل عصابى فى التاريخ، وبأنهم دمروا مصر والمصريين كما لم يفعل أى مغتصب أجنبى من قبل، وبأن تهمتهم الحقيقة والوحيدة والتى تجُب كل ما وجه إليهم هى “الخيانة العظمى”.

رهان الحريّة




رضوى الأسود
البديل
28/6/2011

عندما قامت الثورة بعقول وجرأة الشباب، أتذكر أننى كتبت يومها :”لأول مرة أتنفس حرية” .. الحرية .. إحدى مبادىء وشعارات الثورة العظيمة التى لم تشهد مصر مثيل لها، بل لا أبالغ إذا قلت العالم، كان الشعار الذى نزل الشباب من أجله: (خبز -حرية -عدالة إجتماعية) .. المبادىء الثلاث واضحة وصريحة ولا تحتمل أى لبس، وهى تتميز مثلاً عن شعارالثورة الفرنسية (حرية-مساواة-إخاء) بكلمة “الخبز”، فالحرية والمساواة يؤديان بدورهما لترسيخ مفهوم الإخاء، أما الخبز فهو ضمانة للأمن القومى، ويشمل ضمنياً الإكتفاء الذاتى الذى يتضمن بدوره قيمة العمل الجاد، أى أننا إذا قمنا بتشريح الشعار، لوجدناه جامعاً مانعاً، فهو يغطى الجانب السياسى والإجتماعى والإقتصادى.

على أية حال نعود لكلمة “الحرية” التى ظل الشعب المصرى أكثر من خمسين عاماً محروماً منها، فعبد الناصر حارب الشيوعية وحل الأحزاب وفتح أبواب المعتقلات لأى تجمع يزيد عن ثلاث أفراد، كان غير مسموح لأحد بأن يدلو برأيه فى أى شىء وأوله السياسة، كانت “الحيطان ليها ودان”، أما عن “كُتاب التقارير السرية” فحدث ولا حرج، وكانوا غالباً من الطلبة الوصوليون، يكتبون التقارير عن زملائهم بعد أن يندسوا وسطهم، بعدها يتم إعتقال الطلاب التى جاءت أسماءهم فى التقرير، وكانت المكافأة دوماً منصباً مميزاً فيما بعد، هذا غير مبالغ نقدية كانت تسلم لهم إثناء ممارستهم هذا العمل “الوطنى البطولى”، كما أنه تم إستحداث ما يسمى بـ “بدل الولاء” للضباط الكبار، مما أرسى مبادىء الخوف والنفاق والتملق فى الشخصية المصرية، وكان إفراز مرحلة ما بعد عبد الناصر لا يختلف كثيراً عما سبقه، بل دعمه وقوى شوكته، فحتى عندما فتح السادات الباب للأحزاب لتأخذ موقعها القديم، أنشأ الحزب الوطنى وأصبح رئيسه! وبذلك قلل من ثقل بقية الأحزاب بدعمه الأساسى لحزب واحد فقط، وكان أولى به أن يتحلى بالحياد ولا ينضم لأى حزب. وكان من مصائب تلك المرحلة دحر الطبقة المتوسطة التى هى عماد المجتمع وتقهقرها إلى الأسفل لتمتزج بالطبقة الدنيا، ويصعد فى المقابل طبقة الجهلة والفهلوية ليحتلون الطبقة العليا، لتحدث الهزة المجتمعية التى نعانى منها حتى الآن، كما يجدر بالذكر أن عهده كان إرهاصات للفتنة الطائفية.

أما فى عهد الرئيس المخلوع “مبارك” فالأمر كان أقوى وأكبر من أن يوصف بالكلمات، فقد جمع ببراعة فائقة ما تميزت به المرحلتين السابقتين، كان هناك معتقلات التعذيب التى إتسعت لتوضع فيها كل الفئات على إختلاف توجهاتها، لم يكن هناك تمييز على الإطلاق، فحتى من يتخوفون منه يعتقلونه، هكذا، لمجرد التشكك أو الخوف، وبلا أى سبب واضح. وظل كُتاب التقارير الذين أصبحوا فيما بعد فى مناصب قيادية هامة منها على سبيل المثال وليس الحصر رؤساء تحرير صحفاً قومية لطالما كان الشعب يندهش من تبوئهم هذه المناصب وهم لا يملكون من مقومات الكتابة سوى مقالات تمجيد الرئيس! كما كان هناك أيضاً رجال الأعمال الذين تألفت الحكومة منهم، فظلوا يمارسون عملهم من فوق مقاعدهم الحكومية التى تمنحهم إمتيازات وتجاوزات بلا حدود، ليُتخموا جيوبهم بالثروات الفاحشة، ضاربين بعرض الحائط قوانين الدستور الذى تآكل بفعل ترزية القوانين وأصبح غير مُلزماً لهم، ولتتسع الفجوة أكثر وأكثر بين الطبقات، ولتنمحى البقية الباقية من الطبقة الوسطى وتصعد لأعلى نقطة طبقة رجال الأعمال والحاشية من المنتفعين من السياسات الجائرة أو من القرب من الطبقة الحاكمة.

فى هذا العصر البغيض لم يكن هناك فرد واحد هو الذى يحكم مصر، ولكن كانت هناك عصابة من اللصوص وناهبى ثروات وأقوات الشعب لم ير التاريخ مثيلاً لها، أرست الفساد المنظم فى مصر، فأصبح فساداً مؤسسياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أضف إلى ذلك فتنة طائفية تغذيها سياسات الحكومة العميلة والإعلام الموجه ومناهج التعليم الأساسى، ومعدل فقر غير سبوق … وضاعت “الحرية” فى العهد “المباركى” للأبد!

يقول توماس ماير و أودو فورهولت فى كتابهما (المجتمع المدنى والعدالة):”نحن نعرف بالبديهة أن أى إنتهاك للحقوق لا يعنى فقط وجود من تُنتهك حقوقه، بل وجود من يقوم بهذا الإنتهاك”، ويصنفان الفقر الشديد بأنه إنتهاك لحقوق الإنسان بما أن هناك حكومات مسئولة عنه ويتوجب محاكمتها كما تتم محاكمة تلك التى تجيز التعذيب والإغتصاب.

وإنطلاقاً من هذا الرأى، وبحسب المادة الثانية من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، نجد أن “لكل فرد الحق فى الحياة والحرية والسلامة الشخصية”، والمادة رقم 7 التى تقول أن “كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق فى التمتع بحماية متكافئه منه دون أية تفرقة”، والمادة رقم 9 التى تنص على أنه “لا يجوز القبض على أى إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفياً”، نكتشف أننا ظللنا فى عصور متلاحقة من ملاحقة وإستئصال تام لمفهوم “الحرية ” فى معناها المطلق، حرية الفرد فى حياة كريمة تخلو من العوز، حرية الإختيار، حرية التعبير عن الرأى، حرية ممارسة الحقوق السياسية، حرية الإعتقاد والعبادة.

لكن فجأة يحدث ما لم يكن يتوقعه أكثر الناس تفاؤلاً، تنشق الأرض عن جيل الثورة، شباب تفتحت عيونه على التجارب العالمية من خلال الشبكة العنكبويتة، أفئدة -من حسن الحظ- لم تتلوث شخصيتها بالنفاق والوصولية والخوف، شباب خرج بخطوات حثيثة لا يطلب شيئاً سوى “الحرية”، بصدور عارية إلا من الإيمان بوطنه وبأنه يستحق أكثر بكثير مما هو فيه، كان يريد إرساء مبدأ المواطنة التى لن يضمنها سوى دستوراً جديداً يصيغه بعقل واعى وإيمان بغد أفضل، يضع مصر فى مكانتها الحقيقية التى حرمت منها طويلاً، يخبُر الثمن الواجب دفعه، فالحرية ثمنها غال، وبالفعل دُفع منهم ما دُفِع شهادة وجُرحاً، ليصبح الموت رخيص فى سبيل تلك الكلمة، حتى لو لم يسعفه الحظ ويتمتع بها، فيكفيه أن تُظلل أجيالاً من بعده.

لكن .. الأن .. تنقلب موازين كل شىء بالقافزين فوق كل الموائد .. الطامعين فى السلطان .. إنهم الإخوان غير المسلمون .. الذين يتحالفون مع الشيطان من أجل مصلحتهم الخاصة .. الحرباء المتلونة بحسب كل ظرف .. مرضى السُلطة .. أعداء الحرية .. فالحرية نور ساطعة تكشف عوراتهم .. وبالتالى فهى مكروهة ويجب محاربتها بكل شكل، فقبل الخامس والعشرون من يناير يعلنون بكل صراحة وقوة أنهم لن يشاركوا فى الثورة، والآن يعلنون بنفس القوة أنهم هم المخططون لها وأنهم كانوا مشاركون فيها من أول يوم، وفى ثورة تصحيح المسار فى السابع والعشرون من مايو، كالعادة يخذلون الثوار من الشعب ويرفضون المشاركة، كما خذلوا كل القوى الوطنية والأحزاب السياسية التى إجمعت على مقاطعة إنتخابات 2010، بل يقومون بعمل مظاهرات مضادة، بعد أن يعلنوا أن من يشارك فيها إما من أعداء الشعب أو من الراغبين فى الوقيعة بين الجيش والشعب، أما ما بين التاريخين، فهناك موقفهم من الإستفتاء، وحملتهم المسعورة على من يصوت بـ “لا”.

الإخوان قالوا أنهم لم يشاركوا فى ثورة التصحيح لأنها تنادى بدستور أولاً وقبل أى شىء، وبمجلس رئاسى مدنى، وهم هنا لأول مرة على مدى تاريخهم المخزى .. صادقون، ببساطة لأنهم ضد “الحرية”، أى ضد دستور ومجلس مدنى يرسى مبدأ المواطنة ويرفض الوصاية الدينية ومحاكم التفتيش على القلوب والعقول التى طحنت أوروبا فى العصر الوسيط، وتكون قوانينه هى الضمانة الوحيدة للحرية والمساواة، فهم بالمناسبة أيضاً ضد المساواة، بما أنهم يرون أنهم مميزون عن بقية المجتمع وذلك بمقدار العشر نقاط التى تقوم عليها شخصية الإخوانى كما أرساها إمامهم “البنا”، بدليل ما قاله صبحى صالح عن وجوب زواج الإخوانى بإخوانيه فى عنصرية مقيتة وترسيخاً لمبدأ الجيتو، مزايداً على الله الذى أباح للمسلم أن يتزوج من أى ملة، فما بالك بمسلمة لكن ليست إخوانية، بل متناسياً أن الله ساوى بين الناس!

ومرة أخر تُذبح “الحرية” على أيدي “المتأسلمين” أو “الإسلامجية”، بما أنها أصبحت مهنة “تأكّل عيش”، يتلقفونها بعد أن إنتزعناها بدماء الشهادة، ليقذفوها بعيداً، لكن يظل الرهان على منبت وأصل وتاريخ هذا الشعب الوسطى الذى لا يعرف التشدد والمغالاة، الذى تربى على السينما والأدب والشعر وقبول الآخر، والأهم من كل ذلك، حب الله الساكن فى القلوب دون مزايدة أو إفتعال أو فكر تكفيرى وإقصائى.