
رضوى الأسود
الأهرام العربي
2 أبريل 2011
صوّت بـ «لا» وكنت على يقين من أن النتيجة «نعم» للترقيع، مما شاهدته وسمعته سواء فى اللجنة الانتخابية أم من الأصدقاء. وشاهدت بأم عينى الظهور القوى والواضح لأصحاب الذقون والمنقبات، كما كان هناك - فى خرق واضح للقانون- من يحشد الجماهير للتصويت بـ «نعم» فى اللجان وأمام أفراد الجيش المُنظمين للعملية الانتخابية، وقد أظهروا سلبية واضحة وتراخيا، مما يطرح بقوة نظرية المؤامرة (التى طالما رفضتها بنفس القوة) على ساحة الأحداث الجارية حالياً من مهادنة ومماطلة فى التحقيقات لأكبر رموز الفساد فى النظام القديم، وعدم محاكمة مبارك وعائلته حتى الآن رغم أنه المسئول الأول والأخير عن المؤسسات النظامية للفساد ونهب ثروات مصر وتقسيمها على حاشيته.
معظم النتيجة حسمها البسطاء والجهلاء والمضحوك عليهم من قبل السلفيين والإخوان. وطبقاً للمصادر الرسمية، فإن غالبية الـ «نعم» أتت من القري. وهذه أمثلة مما كان المتأسلمون يسممون به هؤلاء البسطاء: «الدائرة الخضراء للمسلمين والسوداء للمسيحيين». هذه العبارة تحديداً كانت تُقال للأميين.
كان هناك من يقف فى اللجنة وكلما ظهر أمامه مُنتخب يصوت بـ « نعم»، كان يقول له «بارك الله فيك».
قوة الإخوان لم تقف عند حد التنظيم الدقيق وحشد الجماهير، ولكنها امتدت لتشمل الإعلام، أمثال محمد حسان والعوا وغيرهما ممن قالوا إن «نعم» مع الله و «لا» مع الشيطان والتخويف من إلغاء المادة الثانية من الدستور، فأصبحت المعركة دينية صِرفة : صوت بـ «نعم» من أجل نُصرة الدين!
خطباء المساجد يوم الجمعة لم يألوا جهداً فى التأكيد على كل مسلم بوجوب التصويت بـ «نعم» فى تدخل سافر للتأثير على إرادة الناخبين.
كانت هناك سيدة مُسنة فقيرة تمشى متسائلة عن غرفة أو مكان بعينه: «فين الحتة اللى بنقول فيه «نعم»؟». فى بيان واضح لمدى الجهل وما تم بثه فى عقلها.
أما عن توزيع االإخوان للزيت والسكر على الفقراء. فحدث ولا حرج.
فى الطابور الذى كنت أقف فيه لحوالى ساعتين، أقمت صداقات إجبارية مع زملاء الطابور، وكانت المرأة التى تقف ورائى تقول «أنا لا أعلم حتى الآن ماذا أقول؟» تعجبت فى سرى من العبارة، لكننى عندما فكرت بتجرد فيما قالته وجدت أنها محقة .. فقد أُخذنا من «الدار إلى النار» وكان يجب أن تطول المدة ولو قليلاً لإفساح المجال لمزيد من التوعية ببنود الدستور والسجال بين جميع الأطراف المتناقضة.
من تناقشت معهم ممن قالوا نعم - وهم كُثُر - وقد كان ذلك بعد الاستفتاء، قالوا لى إنهم صوتوا بـ«نعم» طلباً للاستقرار، فى ربط عجيب بين «لا» والفوضى أو الضياع. وهم معذورون أيضاً نتيجة مقالات ومنشورات وآراء كانت ترسخ وتروج لتلك الفكرة غير البريئة. تشبث البسطاء وقنعوا بالفتات الذى ألقى لهم. رضوا بقليلهم. ثمانى مواد سيتم تعديلها. ونسوا أن هناك ثلاثين مادة تجعل من الملاك شيطانا بإعطاء الرئيس صلاحيات لا نهائية. بل جهلوا أن هناك مواد تلغى تلك التعديلات من الأصل. وتظل الآفة الكبرى فى مجتمعنا البريء. الجهل. ولكن ليس من المنطق أو الإنصاف تعليق كل اللوم على الإخوان وجهل البسطاء، ولكن أرى أن جزءا كبيرا جداً منه يقع على المثقفين والمفكرين فى افتقادهم لما يتمتع به الإخوان من دقة التنظيم والحشد، أما المستنيرون فقد افتقدوا لأبسط قواعد التواصل مع الجماهير، مكتفين بمقال هنا وهناك على الفيسبوك وخلافه، وحوارات فلسفية بين بعضهم البعض.
يعلم الإخوان والسلفيون جيداً أن فرصتهم الوحيدة هى الآن فى الظهور بعد طول اختباء والترشح فى الانتخابات البرلمانية، ولاحقاً الرئاسية. وإن لم يغتنموها الآن، فلن يحصلوا عليها أبداً. خاصة بعد إلغاء الدستور وإقرار آخر. ربما يكون علمانيا. وهذا ما يخيفهم.
الآن خرجت كل الفئران من الجحور. تستضيفهم القنوات الفضائية لتحقيق سبق ما. وبما أننا اخترنا أن نكون دولة ديمقراطية. فأهلاً ومرحباً بهم. ففى أعظم الدول من العالم الأول هناك اليمينيون المتطرفون والمهووسون الدينيون يظهرون على شاشة التلفاز يصرحون بآرائهم المجنونة، ولكن لا أحد يعيرهم انتباهاً وتأثيرهم محدود للغاية نتيجة الوعى الشعبي، وهذا ما نحاول التأكيد والتنبيه عليه: الوعى ثم الوعى ثم الوعى.
هؤلاء المتأسلمون يأخذون الدين ستاراً للوصول للحكم. والدين منهم براء. هؤلاء هم محاكم التفتيش على القلوب والعقول.هؤلاء من يحتقرون «الإنسان» ولن أقول المرأة، فقصتها معهم طويلة. هؤلاء هم القتلة والمرتزقة وأبناء التقية. هؤلاء هم المخربون الحقيقيون للبلد.
من كان يشكو من طغيان الحزب الوطنى الذى دأب على تزوير إرادة شعبه والتأثير عليه طيلة فترة حكمه هو من يتبنى نفس سياسته. نعم. إذا لم تستح فاصنع ما شئت. ولكن اعلموا جيداً أن وجهكم القبيح مكشوف لنا بكل وضوح. بفضلكم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق